بدأ «الحزب الإسلامي التركستاني» أخيراً بالسير على خُطى تنظيمَي «داعش» و«القاعدة»، لجهة اهتمامه باستقطاب «جهاديين» أجانب (من غير تركستان) إلى صفوفه. وحتى وقت قريب، كان التنظيم المتطرّف محافظاً على مبدأ ثابت قوامه عدم ضمّ جنسيّات أخرى. ورغم أنّ «التركستاني» قاتل طوال السنوات الماضية في سوريا جنباً إلى جنب مع «جهاديين» من جنسيّات مختلفة ضمّتهم المجموعات المتحالفة معه، فإنّه أبقى عضويّته حكراً على الأويغور من دون سواهم. وكسر التنظيم هذه القاعدة قبل عامين، حين أنشأ «كتيبة» صغيرة تابعة له باسم «أنصار تركستان» تضمّ في صفوفها مقاتلين من بقايا تنظيم «جند الأقصى»، معظمهم من الجنسيّة السوريّة وإلى جانبهم أعداد محدودة من جنسيّات مختلفة. ويبدو أنّ هذا «النهج» في طريقه إلى التغيير جذرياً، وأنّ التنظيم ينوي المضيّ بعيداً على طرق «عولمة الجهاد». وأصدرت «مؤسسة صوت الإسلام» الذراع الإعلاميّة لـ«التركستاني» أوّل من أمس شريطاً مصوّراً جديداً، موجّهاً هذه المرّة إلى «جهاديي الغرب»، وحمل اسم «الهجرة إلى الله». وعلى امتداد ساعة وعشر دقائق، هي مدّة الشريط، يتناوب الظهور كنديٌّ ومغربيٌّ وثلاثة فرنسيين للحديث عن مزايا «الجهاد» والترويج له. ويبدو ظهور هذا العدد من الفرنسيين لافتاً، ولا سيّما أنّ الإصدارات السابقة لـ«التركستاني» كانت تهتم بمخاطبة الأويغور والأتراك فحسب، حتى إن الترجمة إلى العربيّة لم تصبح تقليداً ثابتاً في السياسات الإعلاميّة لـ«الحزب» إلى منتصف عام 2013. وتنبّهت صحيفة «لوفيغارو» الفرنسيّة سريعاً إلى أهميّة هذا التطوّر، لتنشر أمس تقريراً عنه.

التقرير رأى في الشريط ما يُذكّر بالمقاطع الدعائية التي كان يبثها «داعش» واجتذب عبرها عشرات «المجاهدين» من فرنسيين وسواهم، ورجّح انتماء الفرنسيين الثلاثة إلى «فرقة الغرباء». وقال التقرير إنّ «الفرقة» المذكورة كانت قد اضطلعت بدور في تدريب «الجهاديين» الأويغور. وخلافاً لمعلومات الصحيفة الفرنسيّة، تشير معلومات «الأخبار» إلى أنّ «الغرباء» لم تحتكّ كثيراً بـ«التركستاني»، باستثناء بعض الحالات الفرديّة التي قادت «جهاديين» من تركستان إلى معسكرات عامّة تابعة لـ«جبهة النصرة». وطوال سنين حرصت الاستخبارات التركيّة على عزل «التركستاني» عن بقيّة المجموعات المسلّحة، ولا سيّما في معسكرات التدريب. وإذا ما صحّ انتماء فرنسيي «التركستاني» الثلاثة إلى «فرقة الغرباء»، فإنّ هذا التطور يقدّم مؤشّراً جديداً على التحولات التي لحقت بالتنظيم الأكبر لـ«الجهاديين الأويغور». ولا يُستبعد نشوء علاقة وطيدة بين «الغرباء» و«التركستاني» خلال العام الأخير، ولا سيّما في ضوء الترابط العضوي الآخذ في التنامي بين «التركستاني» و«جبهة النصرة»، الحاضن الأساس لـ«فرقة الغرباء». ويأتي هذا التطوّر ليزيد من مخاوف باريس، في خضمّ انشغالها بمصير «الجهاديين» الفرنسيين الذين قاتلوا سابقاً في صفوف «داعش». ويؤدي هذا الاهتمام دوراً محوريّاً في زيادة عديد القوات الفرنسيّة الخاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطيّة» في شرق سوريا وشمالها. وحتى شباط الماضي، كانت تقديرات استخباراتية فرنسيّة تشير إلى أنّ «أكثر من 2100 جهادي أوروبي لا يزالون في سوريا». وبعيداً من الهواجس الفرنسيّة، ثمّة دلالات مهمّة تنطوي عليها تطورات «التركستاني» هذه، وهي دلالات يُتوقّع أن تُجدّد المخاوف الصينيّة في ما يخصّ مستقبل هذا التنظيم «الجهادي». ولا يبدو مستبعداً أن يكون سعي «التركستاني» إلى ترسيخ قدمه في مسار «عولمة الجهاد» جزءاً من خططه في شأن المستقبل. وكانت «الأخبار» قد نشرت تحقيقاً في تشرين الثاني من العام الماضي عن إجراءات «التركستاني» على طريق «توسيع جهاده إلى ثغور أخرى» («الأخبار»، العدد 3315(.

«فرقة الغرباء» الفرنسيّة
تأسّست «الفرقة» في عام 2012 (على الأرجح) على يد الفرنسي – السنغالي عمر ديابي الشهير باسم عمر أومسين. يُلقَّب أومسين من قبل «عشّاقه» بـ«الجهادي الخارق»، وكانت شائعات كثيرة قد راجت عن مقتله في عام 2015، ويُعتقد على نطاق واسع أنّه كان شخصيّاً وراء إطلاق تلك الشائعات التي اتّضح زيفها في عام 2016. وفي أيلول من ذلك العام، وصفت الولايات المتحدة أومسين بأنّه «إرهابي دولي»، وأدرجته على قائمتها للعقوبات الاقتصادية. وقال بيان أصدرته وزارة الخارجية الأميركية وقتها إنّ «ديابي قاد مجموعة من خمسين متطوعاً فرنسياً إلى سوريا للقتال في صفوف جبهة النصرة». وأشار البيان إلى أنّه «بالرغم من اعتباره ميتاً في آب 2015، فقد عاد إلى الظهور في أيار 2016، ليؤكد أن إعلان مقتله كان مناورة حتى يتمكن من التوجه إلى تركيا للخضوع لعملية جراحية». وأشار البيان إلى أنّ الاستخبارات الفرنسيّة تعدّ المقاطع الدعائيّة التي شارك ديابي فيها «السبب الرئيس لانضمام هذا العدد الكبير من المواطنين الفرنسيين إلى صفوف المجموعات التي تقاتل في سوريا والعراق».