الجزائر | انتظر الناس الأذان ثم تقاطروا على المسجد كما عند كل فجر ليجدوا الرجلين يسبحان في بركة دم. انتشر الخبر بسرعة، ووصلت الحماية المدنية (الدفاع المدني) وقوة من الدرك الوطني، فتأكدت وفاة الإثنين قبل الفجر بقليل، ونُقلا الى «مصلحة حفظ الجثث» في المستشفي بانتظار التشريح. لم يُعثر على أيّ دليل يثبت هوية الجاني أو الجناة. لكن بالنظر إلى الطريقة التي نفذت بها الجريمة، نسبت قوى الأمن الفعل إلى الإرهابيين، وهو أيضاً ما اقتنع به عامة الناس.

قال شهود إنّ جثة المؤذن سالم بونوة (64 سنة) وجدت في قاعة الصلاة، بينما «وُجد رأسه مرمياً بعيداً عنها بين الأسوار الخارجية للمسجد»، وهو ما فسّره الجميع على أنه رسالة لإرهاب الناس وترويعهم. وكان المؤذن يعمل سائقاً في البلدية، أُحيل على التقاعد فتطوّع لخدمة شؤون المسجد والأذان. أما مساعده المدعو لخضر غانم (68 سنة)، فكان يعمل في سلك الحرس البلدي (شرطة محلية)، وقد تحوّل لخدمة المسجد بعدما أُحيل على المعاش هو الآخر، فيما قال أحد أقاربه إنّه يخرج دوماً قبل الفجر حتى ينوب عن المؤذن إذا تعذر وصوله أو تأخر.
وفق ما نقلت تقارير إعلامية نشرتها الصحف الجزائرية أمس، فقد أعرب كثير من سكان البلدة عن مخاوفهم من عودة أجواء التسعينيات التي كانت فيها عرضة لأعمال إرهابية يومية. وفي الموازاة مع مباشرة التحقيق في ملابسات الحادث، وصلت إلى المنطقة تعزيزات عسكرية كبيرة باشرت عمليات تمشيط واسعة بحثاً عن المجرمين، في مشهد أعاد إلى الأذهان صوراً اعتقد الجميع أنها باتت من الماضي، حين كانت الدوريات العسكرية دائمة الحضور لمواجهة هجمات محتملة من الجماعات الارهابية النشطة هناك.
ويُعدُّ الأئمة والقائمون على المساجد من أكثر الفئات التي استهدفها الإرهابيون في السنوات الماضية، وقتل منهم عدد كبير في مختلف مناطق البلاد، لأنّهم لم يسايروا الخطاب العنيف، كما تمّ اختطاف العديد منهم لإصدار فتاوى تبيح أعمالهم.

على مدى ربع قرن، قتل الآلاف وفي رمضان تحديداً


وكانت ولاية سيدي بلعباس، خلال ما صار يُسمى «العشرية الحمراء»، من أكثر مناطق الجزائر التهاباً. وقُتل فيها المئات من الجنود ورجال الشرطة والدرك، وأيضاً من المدنيين وحتى الأطفال والنساء. وفيها نُفِّذت أول عملية اقتحام كبرى لثكنة عسكرية في رمضان من عام 1994، في هجوم خلّف 80 قتيلاً في صفوف الجيش، وثبت أنّ الهجوم وقع بتواطؤ من عملاء داخل الثكنة، وذبح المقتحمون عشرات الجنود وأطلقوا النار على آخرين، في وقت استرخاء كان العسكريون يستعدون فيه لتناول وجبة الإفطار.
واعتادت الجماعات الإرهابية منذ ربع قرن رفع وتيرة جرائمها في رمضان بناءً على فتاوى من قياداتها تشجع على «التقرب إلى الله» في هذا الشهر، عبر «قتل أعوان الدولة العسكريين والمدنيين» على السواء، كونهم «طواغيت». وقُتل الآلاف في رمضان على مدى ربع قرن بالاغتيالات الفردية والتفجيرات في المدن والمجازر الجماعية في القرى والبلدات النائية. وفضلاً عن الهجوم المذكور على الثكنة، نفّذ إرهابيون في رمضان عام 2011 تفجيراً انتحارياً مزدوجاً على نادي الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة في شرشال (90 كلم غربي العاصمة) خلّف 20 قتيلاً ونحو 30 جريحاً. وخلال رمضان أيضاً، قُتل معظم الصحافيين والفنانين والكتاب والأطباء والمهندسين برصاص الإرهابيين وخناجرهم.
يُذكر أنّ الجزائر سنّت في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قوانين عفو عن أعضاء التنظيمات الإرهابية الذين يُقلعون عن النشاط الإجرامي، وتمّت إعادة دمج الآلاف في المجتمع كما لو لم يقترفوا أي جريمة، بينهم قياديون في تلك التنظيمات مثل مدني مزراق، وهو مؤسس «الجيش الإسلامي للإنقاذ» ـــ الجناح المسلح لـ«جبهة الإنقاذ» المحظورة، وحسن حطاب، وهو مؤسّس الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي صارت «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي»، ومصطفى قرطالي، وهو القيادي في «جيش الإنقاذ» في منطقة وسط البلاد، وأحمد بن عائشة مسؤول منطقة غرب البلاد. كلّهم يتمتعون اليوم بما يشبه الحصانة ويمارسون أعمالهم كما لو لم يكونوا مسؤولين عن قتل واختطاف وتشريد عشرات الآلاف، معظمهم من المدنيين. لكن رغم سخاء هذا القانون ومنحهم الامتيازات، فإنّ الإرهاب لا يزال ظاهراً كل يوم.