يُعرف المصريون من سيماهم: تَتَشعْلق الفنون الشعبية في دورة حياتهم (الميلاد، الشباب، الزواج، الموت). كل شيء له وظيفة اجتماعية يؤديها على أكمل وجه. يؤلفون ويغنون ويرقصون ويرسمون في الحضور والغياب، في النوازل والأفراح. يتباسطون في عزّ الضيق، حتى إذا انصرف في ستين داهية، يكسرون وراءه مئة قلّة من الفخار القناوي، أو كما يقول نجيب سرور «مساكين بنضحك من البلوة، زي الديوك والروح حلوة». حقيقة فولكلورية منقوشة فوق جدران المعابد الفرعونية: أغان وتصفيق بالأيدي ودبَّة بالأقدام في الأعياد الدينية وفي الطقوس الجنائزية، وفي الحقول والاحتفالات الشعبية. حتى عندما يختنق القمر، في الخسوف، يغني الناس «يا بنات الحور... خلّو القمر يدور». قطعاً لا يمكن أن تتوقف دورة الحياة الطبيعية لأن القمر أخذ على خاطره من الغيوم الكثيفة!

يُخزِّن المصريون موقفهم من العالم. حقيقة تاريخية يتغافل عنها الجنرال/ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظامه. اختمار الوعي بـ«فناكيش» السيسي (جمع فنكوش) لم يأخذ وقتاً طويلاً. الإبداع الشعبي خطوته ثقيلة أحياناً، لكن حينما يحين يُغطي على القديم والجديد. شيء خفيف كلمح البصر، شيء قريب الشبه تماماً بالأفندي العجوز الذي نطّ برشاقة ابن عشرين، في الأوتوبيس الأحمر ولم يقع من جيبه شيء، بل لم تُعفّر وجهه ذرة تراب.
«يا ابن الذين! وكمان متشعْبط في الباب الورّاني (الخلفي)». امتدحه «الكومسَري» الأسمر (وهو الموظف المختص بتحصيل ثمن التذاكر)، وهو يُخرج تذكرته الخضراء «أم ثلاثة جنيهات». ينظر إليه الأفندي بقرف. يبلع ريقه ليمنح عيناه الفرصة لإيجاد مقعد خال في أوتوبيس يحمل على ظهره ما لايقل عن ستين ساكتاً من أبناء وبنات حواء وآدم. «ليه يا ابني كده. أنا راجل ع المعاش». يستغرب الأفندي من ردّ فعل «الكومسَري»: «شكلك ما ركبتش من أيام الربع جنيه». يُعيد العجوز عبارات غاضبة إلى حلقه ويُمسك ماسورة علوية في سقف الأوتوبيس حتى تحين محطته البعيدة: حي حلمية الزيتون في شرق القاهرة.
انفتح «الكومسَري» على الآخر فانفتح الباب أمام حديث الساعة: «لهيب المعيشة وجحيم الأسعار». الشاب الذي كان يراقب حركة أعين الأفندي، قام من مطرحه وأقعده. حانت الفرصة الآن لقراءة الجريدة. كانت مانشيتات «المصري اليوم» تتحدث عن «طرح شركات حكومية بالبورصة الشهر المقبل؛ عبد العال: محاولات إسقاط البرلمان مستمرة؛ رمضان: 16 ساعة صياماً وارتفاع الحرارة 7 درجات؛ الرئيس السيسي يشهد انطلاق المؤتمر الدوري الخامس للشباب». أغلق العجوز الجريدة بسرعة وناولها للجالس أمامه، وفي ربع ساعة كانت الجريدة قد لفّت على الركاب عدا السائق المُنشغل بالطريق. هي عادة شعبية في المواصلات العامة حتّى قبل ارتفاع أسعار بيع الصحف والمجلات الورقية.

لا يقرأ حكام مصر التاريخ جيداً، ولم يفهم الركاب ما قرأه الأفندي


استغرب بعض المُتنطعين سلوك الأفندي الذي قام من فوق مقعده وأجلس شابة عشرينية. رفع الرجل صوته وسبّ آباء وأمهات الجالسين: «بدل ما تستهبلوا، حد يهزّ طوله ويفضي لي كرسي». نظر الجميع في أرضية الأوتوبيس رفضاً. كاد الأفندي يسقط لولا أن السائق تدارك الموقف. اهتز الأوتوبيس فجأة قبل أن يدخل محطة جامعة القاهرة (جنوب العاصمة المصرية) فتبعثرت أوراق كان يحتضنها طالب ذاهب لأداء امتحان نهاية العام. هاجت العباد على السائق الدائخ الذي يكوّم الركّاب بعضهم فوق بعض في عزّ الحر. يرفع «الكومسَري» من نبرة صوته مجددًا: «إللي مش عاجبه يروح يركب المترو أبو سبعة جنيه».
«أنت مملوك صغيَّر ورئيسك برديسي صغيّر ورحمة أمي». لم يفهم الركاب ما يقوله الأفندي. انهال الجميع على «الكومسَري» بالسباب. كادت عروق وجه الأفندي تفط وتكلبش في رقبة «الكومسَري» المستفز. عادي جداً أن يسكت السائق ويواصل السير نحو المحطة التالية، لأن أكوام الشتائم انهالت على الرئيس عبد الفتاح السيسي بدلاً من «الكومسَري».
يحدّث الأفندي نفسه بصوت عال. ينظر إلى التذكرة التي أذابها عرق أصابعه ويقطب جبينه: «كنت بركبه بتعريفة. وكنت بلاقي الكراسي فاضية على طول. تلاتة جنيه؟ إحنا إللي نستاهل». يسأل العجوز التي تجلس إلى جواره في قلق: «لو فيه بلطجي يا حاجة نازل عليكي ضرب بالبونية (قبضة اليد)، وأنت ساكتة، ح يعمل فيكي إيه؟». تبلع السيدة ريقها وترد في حسم : «مش هيرحمني يا أخويا. هيخلّص عليّ طبعاً». فتح الأفندي جريدة «المصري اليوم»، بعدما وصلت الرسالة الآذان المُصغية، قبل أن تنزل على أفواه مُنصتة حكاية البرديسي والسيسي.
كما لا يقرأ حكام مصر التاريخ جيداً، لا يقرأ الكثير من الركاب ما قرأه الأفندي وتلاه على المسامع عندما وصل الأوتوبيس إلى محطة رمسيس في وسط القاهرة: «قبل ما يركب محمد علي باشا البلد (1805م) كان فيه مملوك مكير شبه السيسي الخالق الناطق. كان ابن كلب واسمه عثمان بك البرديسي. ظلم الناس بالضرائب والفردة والسجن ورجالته كانوا يعاملوا الناس بقلة أدب. الغريبة إنه في عزّ الجفاف والجوع أخونا البرديسي ده بلطج ع الناس. عايز يدفع رواتب عساكره المماليك. الناس قالت ما بدهاش بقى. هاجت عليه ورفضت تدفع الفِردة وطلعوا في الشوارع بالدفوف والرايات السودا بعد ما قفلوا بيوتهم ومحلاتهم، واتجمعوا في ساحة الجامع الأزهر، وهتفوا: إيش تاخد من تفليسي يا برديسي! طلعوا المشايخ معاهم واتلمت الخلايق. راح محمد علي ضامم ع الناس. فرصة بقى يكوّش. وفعلاً هجم ع البرديسي وجريوا وراهم لغاية الصعيد، وبِطلت الفردة والناس روحت مبسوطة، بتغني وتطبّل وتزمّر».
انفرجت أسارير الركاب الذين قلّ عددهم مع اقتراب محطة العباسية. يمسح الأفندي عرقه، فيناوله «الكومسَري» منديلاً ورقياً أرسله جالس في الصف الأيمن من الأوتوبيس. يُبدي «الكومسَري» رغبته في امتداح الأفندي: «إنت من ساعة ما نطيت الأوتوبيس وأنا قلت الراجل ده مكشوف عنه الحجاب، بس إوعى تقول الكلام ده في المترو لأحسن يقبضوا عليك! أنا خايف عليك يا أستاذ». يضحك الرجل الذي يهمّ بالنزول في المحطة التالية، وينبه «الكومسَري» مازحاً: «ح يقبضوا على كل الأوتوبيسات يا مُغفّل؟». اختفى الأفندي في الزحام، وبقي «الكومسَري» والركاب يقهقهون ويتأملون نهاية عبد الفتاح بك السيسي.