غزة | منذ الإعلان المصري لفتح معبر رفح، بين غزة وسيناء، طوال شهر رمضان الجاري، تسير الحركة ببطء شديد على المعبر، وفق مصادر تابعة لحركة «حماس» التي تدير عملية التسجيل، وأخرى تابعة لـ«حرس الرئيس» التابع للسلطة الفلسطينية الذي يشغّل بدوره صالة الخروج من المعبر.

وطوال الأسبوع الماضي، في مساء كل يوم، تنشر وزارة الداخلية في غزة كشوفاً تضم أسماء الذين سيخرجون عبر المعبر في اليوم التالي، ويتضمن الكشف عادة حافلتين مصريتين (نحو 360 مسافراً فيهما)، و8 حافلات أخرى (بنحو 1440 مسافراً)، أي بمجموع 1780 مسافراً تقريباً من المفترض أن يغادروا. وبينما تقول المصادر إن وضع 180 إنساناً في حافلة تتسع فقط لـ60 شخصاً على الأكثر يرجع إلى الرغبة في إخراج أكبر عدد ممكن، خاصة أن الجانب المصري لا يسمح بزيادة عدد الحافلات. مع ذلك، تكون المشكلة الكبرى هي إرجاع العشرات يومياً، ما بين 40 إلى 60 شخصاً، يعودون إلى القطاع بعدما يبلغون بأنهم مدرجون على قوائم «المنع الأمني».
وملف المدرجين أمنياً ــ الممنوعين من السفر عبر معبر رفح ــ أحد أبرز أوجه المعاناة التي يلاقيها الغزيون، ويختلف السبب الذي يمنعون جراءه دخول الأراضي المصرية أو عبورها إلى أي دولة أخرى (نظام الترحيل). ووفق إحصائية خاصة (شبه رسمية) حصلت عليها «الأخبار»، يبلغ عدد المدرجين ضمن قوائم المنع المصرية ما بين 10 إلى 15 ألف غزّي، إذ كان يبلغ عدد المرجعين مع كلّ فتحة جزئية للمعبر (قبل رمضان) ما بين 150 و350 شخصاً، وهي أرقام كبيرة مقارنة بالمعابر بين أي دولتين في العالم.
ووفق المصادر، تعدّ قوائم المنع جهات أمنية عدة، هي: «المخابرات العامة» و«الأمن الوطني» («أمن الدولة» سابقاً) و«المخابرات الحربية». أما منع الفلسطيني عبر «الحربية»، التابعة للجيش، فهو دليل على «خطورة كبيرة يشكلها، ومن ذلك أن يتهم بالتعاون مع تنظيم داعش في سيناء». لكنّ هذه القوائم تستهدف أساساً الأشخاص الذين تربطهم علاقة مع المقاومة الفلسطينية، أو لهم علاقة بالملفات والأجهزة الأمنية داخل القطاع، أو الذين عملوا في الأنفاق بين رفح المصرية والفلسطينية قبل تدميرها ما بين 2013 ــ 2014.
المصادر نفسها تشرح أن الأجهزة المصرية تعتمد في هذه القوائم على تقارير تجمعها استخبارياً من داخل القطاع، وأيضاً عبر التعاون مع سلطات الاحتلال الإسرائيلية، بالإضافة إلى قوائم ترسلها «المخابرات الفلسطينية» في رام الله تحت مسمى «أشخاص قد يضرون أمن مصر». لكن الأسوأ، كما تؤكد تلك المصادر، وضع أسماء لأشخاص بهدف ابتزازهم كي يضطروا إلى دفع أموال طائلة لضباط مصريين مقابل السماح لهم بالسفر، أو يكونون قد وقعوا في حالة «تشابه أسماء»، فيضطرون كل مرة إلى التنسيق بالطريقة نفسها (تبلغ قيمة التنسيق ما بين 3 إلى 5 آلاف دولار عن الشخص الواحد). كذلك إن أبرز المدرجين في تلك القوائم هم الأفراد الذين ينتمون إلى «حماس»، خاصة الذين يحملون تأشيرات سفر إلى قطر أو تركيا.

كان عدد المرجعين في كلّ فتحة للمعبر ما بين 150 و350


في هذا الإطار، تحاول الفصائل الفلسطينية تجنب عمليات المنع لأفرادها أو المقربين منها، وذلك بالتوافق مع السلطات المصرية على السماح لهم بالسفر تحت مسمى «التنسيقات»، إذ لا يُعرضون على الفحص الأمني في المعبر، ولكنهم يضطرون في كل مرة إلى التواصل والتنسيق من أجل العبور. مع ذلك، هناك عشرات الأشخاص الذين أعيدوا إلى القطاع رغم التنسيق الفصائلي.
أما على الجانب المصري، فرغم الوعود بإعادة النظر في ملف الممنوعين من السفر، وتحديداً القوائم التي أعدت إبّان «ثورة 25 يناير»، فإن هذا لم يتحقق، بل زادت الأسماء الممنوعة وعدد المدرجين مع كلّ فتحة معبر. وتضيف المصادر أن السلطات المصرية «تتعامل بخشونة مع هذا الملف، وتعيد من أدرجت أسماءهم إلى غزة حتى إن كانوا مرضى ووضعهم الصحي في غاية السوء».
مراسل «الأخبار» التقى عدداً من المرجعين في الشهور الماضية، ومنهم أحد المرضى بداعي أنه مطلوب لجهة «سيادية» في القاهرة، وأنه في حال دخوله مصر سيعتقل. وصرَّح عشرات الطلبة بأنهم خسروا منحاً خارجية بسبب المنع. لكن فئة المرضى من الممنوعين هي الأكثر تضرراً، خاصة المصابين بالسرطان. يقول رامي (20 سنة)، وهو مصاب بمرض السرطان وحاصل على تحويلة للعلاج في مصر، «بقيت في الصالة المصرية أنتظر على كرسي حديدي لأكثر من 18 ساعة على أمل أن يُختم جواز سفري ويسمح لي بالعبور... جاء الضابط وقال لي: خذ جوازك وعد إلى غزة». ورغم استغاثة رامي بالضابط وبكل من هو في الصالة وبمنسقي السفارة الفلسطينية، فإن المصريين أصروا على رفضهم عبوره. أيضاً سُجِّلت حالات إرجاع عدد من كبار السن، أحدهم والد شهيد نفذ عملية قتل ضباط إسرائيليين شمال غزة إبّان انتفاضة الأقصى بحجة أنه مدرج على القوائم، رغم أنه يبلغ من العمر 85 سنة، والعرف أن من هم فوق الأربعين لا يشكلون خطراً على مصر، ويُسمح لهم عادة بالعبور.
يُذكر أن السلطات المصرية بدأت تفعيل قوائم المنع بعد اتفاق معبر رفح عام 2005، الذي حصر السيادة على المعبر في الجانبين الفلسطيني والمصري، بعدما كانت عمليات منع السفر على المعبر منوطة بالاحتلال الإسرائيلي قبل انسحابه من القطاع في تلك السنة. ولا يزال المعبر يعمل ضمن حالة الطوارئ منذ منتصف 2013، إذ يعمل بصورة متقطعة لأيام قليلة كل شهرين أو ثلاثة أشهر، ويسمح خلالها بالسفر لفئات مخصصة تسمى «الحالات الإنسانية»، قبل أن يتغير الوضع ويفتح طوال رمضان، لكن من دون تغير في قضية «قوائم المنع».