الجزائر | في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر عام 1988 ظهر الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد على شاشة التلفزيون للمرة الأولى منذ اندلاع تظاهرات صاخبة ضد حكمه قبل نحو أسبوع. كان حزيناً ومضطرباً جداً. فتلك الأحداث لم يسبق أن شهدت مثلها الجزائر منذ استقلالها عن فرنسا عام 1962. وكانت آخر أكبر تظاهرات جماهيرية تخللها العنف في 11 كانون الأول/ ديسمبر من عام 1960 حين خرج مئات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال لمساندة كفاح الثوار المسلح ودعم قضية الاستقلال المطروحة أمام هيئة الأمم المتحدة.

بدأ الرئيس الجزائري حديثه إلى شعبه بالترحم على أرواح كل من سقطوا خلال المواجهات بين الجيش والشرطة والدرك وبقية فصائل قوى الأمن من جهة، والجماهير الغاضبة التي اجتاحت شوارع وساحات مختلف المدن والقرى على مدى أسبوع من جهة أخرى. تحدث بصوت خافت مبحوح صارح فيه الناس بأنه هو من أسدى الأوامر إلى الجيش بالنزول إلى الشارع، وهو من أعلن حالة الحصار على العاصمة وحظر التجوال والتصدي بكل الوسائل للمتظاهرين. وقال إنه من حق الناس أن يتظاهروا ويطالبوا، لكن حين وصلت الأمور إلى تحطيم الممتلكات العمومية وتهديد البلد بالعصيان الشامل وانهيار النظام العام كان لا بد من اتخاذ قرارات صارمة لإعادة الهدوء إلى المدن. وأعلن عن وعود بتحسين الظروف الاجتماعية للمواطنين وبرّر النقائص المسجّلة في ظروف معيشة الغالبية الساحقة من الجزائريين بانهيار أسعار النفط. لكنه ركز على ادخال إصلاحات سياسية للمرة الأولى في تاريخ البلاد. ووظّف في خطابه كلمات يسمعها الجزائريون للمرة الأولى من رأس السلطة، مثل «نقلة نوعية في النظام السياسي» و«ممارسة الحقوق والحريات كاملة» و«الفصل بين السلطات» و«حرية الرأي والتعبير». وهي تعابير تستخدم للمرة الأولى في الخطاب الرسمي وهي تعني القطيعة مع طريقة الحكم التي ثار عليها الناس ودانوها وسقط منهم العشرات.
كبداية للإصلاح والتسامح والحريات، أعلن العفو عن جميع من اعتقلوا خلال المواجهات. وكذلك أُطلق سراح كل السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي مهما كان توجههم السياسي والعقائدي. ودعا اللاجئين السياسيين في الخارج إلى العودة لبلدهم للمساهمة في هذا المسار. وقال إنه قرر إنشاء هيئة من قانونيين وممثلي القوى المؤثرة في الشارع لإعداد دستور يقنن كل الالتزامات التي أعلنها في الخطاب. وما كاد الرئيس الشاذلي، وهو من محاربي حرب الاستقلال ويحظى بالاحترام، ينهي كلمته حتى خرجت جماهير في عدد من المدن تأييداً للخطة وقيل وقتها إن جهاز الاستخبارات هو من نظمها من خلف الستار وإن معظم من شارك فيها من الجيش وقوى الأمن وجناح إصلاحي في الحزب كان يطمح إلى مثل هذا التغيير. فقد كان حكم الحزب الواحد مقدساً والحزب كما في كل الدول الاشتراكية، هو الجيش وهو الأمن وهو الإدارة وهو كل شيء.

كل المكاسب التي سجلت منذ نهاية الثمانينات كانت سحابة عابرة


كانت قنوات الإذاعة والتلفزيون قد أعلنت بالعربية والأمازيغية والفرنسية عن موعد الخطاب عشرات المرات فخلت الشوارع تماماً من المارة وقت إلقائه، وكان الجميع مسمّراً أمام الشاشات لسماع موقف الرئيس من العنف الذي خلف بحسب الإعلان الرسمي 148 قتيلاً ومئات الجرحى والمعتقلين، علماً أن وسائل الإعلام الأجنبية التي استندت إلى شهادات الشارع تحدثت عن أكثر من 450 قتيلاً وعمليات تعذيب غير مسبوقة في أقبية الشرطة وجهاز الأمن العسكري.
غيّر خطاب الرئيس الشاذلي مسار الأحداث 180 درجة، وألبسها طابعاً سياسياً لم يكن في الحسبان وقت اندلاعها. فالناس خلال التظاهرات لم يطالبوا بإصلاح سياسي ولم يرفعوا شعارات تنادي بالتعددية الحزبية ولا باللوائح المفتوحة في الانتخابات ولا بحرية التعبير، إنما طالبوا برفع الجيف الاجتماعي وتوفير المواد الأساسية في الأسواق بأسعار يقدر عليها الجميع وكبح طغيان جهاز الشرطة وأعوان حزب جبهة التحرير. وكانت الجهات المستهدفة من الغاضبين طيلة خمسة أيام من الغليان هي المحلات التجارية الكبرى المملوكة للحكومة وكذا مقار الحزب ومقار الشرطة حيث أحرقت المئات منها في كل المدن والبلدات، خصوصاً في العاصمة والضواحي. وفي اليوم الموالي للخطاب صار الجميع يتحدث عن إصلاحات سياسية كما لو أنها كانت مطلباً رئيسياً للمنتفضين.
خرجت إلى العلن بعض قيادات الأحزاب السرية التي كانت تعمل في الخفاء، بعضها كان قد دخل السرية منذ الانقلاب العسكري عام 1965 على الرئيس أحمد بن بلة أول رؤساء البلاد. وأعلنت وسائل الإعلام وكانت كلها تابعة للدولة، عن سلسلة من الإجراءات الرئاسية، بينها إقالة مسؤول الأمانة الدائمة للجنة المركزية محمد الشريف مساعدية والوزير الأول، رئيس الوزراء، عبد الحميد الإبراهيمي المنبوذين من الناس. كما جرت اتصالات بمعارضين في الخارج للعودة والعمل معاً من أجل بناء الديموقراطية. وأعلنت الرئاسة بداية عمل خلية من الاخصائيين لإعداد إصلاح انتقالي لبعض مواد الدستور في غضون أيام قبل إعداد دستور جديد كلياً خلال مئة يوم، يكون ثمرة نقاش واسع وعلني تشارك فيه كل الأطراف في المجتمع. وبالفعل، تم تعديل الدستور من دون مشاركة قيادة جبهة التحرير. وكان ذلك أول نص رسمي في تاريخ البلاد لا يصادق عليه الحزب الرسمي. وأهم ما في التعديل، انسحاب الجيش من هيئات الحزب وتخلّي رئيس الجمهورية عن منصب الأمين العام للحزب ليتفرغ لعمله كرئيس لكل الجزائريين بلا استثناء.
بعد ثلاثة أشهر من العمل السياسي الصاخب، طفت فيها كل الأفكار إلى السطح وصارت كل التيارات بارزة وتتحدث بلا خوف، تم إعداد النص الدستوري الذي أقر في مادته الأربعين التعددية الحزبية كنهج للجزائر الجديدة. وبعدها بدأت الأحزاب تتشكل تباعاً وتلقت مساعدات من خزينة الدولة وتحصلت على مقار وصارت جبهة التحرير حزباً من الأحزاب بعدما كانت واجهة حكم العسكر على مدى 28 عاماً. وتقرّر السماح بتأسيس صحف مستقلة، بل كان السعي من الدولة لتأسيس الصحافة المستقلة بمساعدة مجموعات من الصحافيين على إقامة تعاونيات تصدر صحفاً تنال قسطها من الإعلان الحكومي. ووزعت عليها مقار حكومية بالمجان لمدة خمس سنوات وإعفاء من الضرائب وكل الرسوم للمدة ذاتها.
لم يكن موضوع الصحافة المستقلة مطروحاً كمطلب، لا خلال الأحداث ولا قبلها. وكان الصحافيون يكافحون منذ بداية 1988 من أجل انتخاب «مجالس التحرير» في الصحف والتلفزيون ووكالة الأنباء والإذاعة، وهي كلها مؤسسات حكومية... كانوا يريدون المشاركة في رسم السياسة الإعلامية وليس الاستقلال بوسائل إعلام يوجهونها بمفردهم وعلى هواهم. كان التوجه كذلك لأن الذهنية على العموم كانت جماعية بفعل التربية السياسية والاجتماعية المنتهجة منذ الاستقلال. لكن بعد شهور تغيّرت هذه الذهنية وتأسست صحف بالعربية وأخرى بالفرنسية بتوجهات مختلفة، معظمها أسسها صحافيون فيما أخفقت كل تجارب الصحف الحزبية بلا استثناء لأنها لا تجد قراء. كذلك فتحت وسائل الإعلام الحكومية مجالاتها لكل القوى السياسية وصارت تقدّم خدمة عمومية لا يستثنى منها تيار.
كل تلك المكاسب كانت سحابة عابرة، إذ دخلت البلاد في نفق مظلم من الاقتتال خلف، بحسب التصريح الرسمي للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ما يزيد على 200 ألف قتيل، وشرخاً عميقاً في المجتمع، وعشرات المليارات من الدولارات كأضرار في البنية الاقتصادية، ومثلها كأعباء أمنية جراء الاضطراب. وتراجع بفعل ذلك كل زخم البداية وصارت الساحة السياسية مباراة مملة تنشطها أندية ضعيفة المستوى لا ترقى إلى مستوى دخول أرض الميدان... فهل تستحق التغييرات السطحية بتعددية حزبية وحرية الكلام كل هذه التضحيات، أم أن الأمر يتعلق بحمل كاذب؟