في وقت تكثّف فيه القوى السياسية العراقية تحركاتها على طريق تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر التي تحقّ لها حصراً تسمية رئيس الوزراء المقبل، يبرز حراك إقليمي موازٍ تتصدّره الولايات المتحدة والدول الخليجية بهدف استطلاع حظوظها في حكومة ما بعد الانتخابات. وفيما يبدو المسؤولون الأميركيون، في تحركاتهم، مدركين حقيقة أن عملية تشكيل الحكومة «طويلة ومعقدة»، وأنها غير متصلة حصراً بنتائج الانتخابات، خصوصاً أن الأخيرة أفرزت كتلاً صغيرة ومتشظية، يظهر السعوديون وحلفاؤهم مستعجلين حسم «السباق» لمصلحتهم، بما يذكّر بتصرفات وزيرهم ثامر السبهان الذي سُجّل أول من أمس توجيه انتقاد له من قبل كتلة مقتدى الصدر. في خضم ذلك كله، تبدي طهران تريّثاً في «تكتيكاتها»، مُؤثِرةً إلى الآن التشديد على «ودية» علاقاتها بالأطراف كافة، ريثما تتضح لها صورة الديناميات الدائرة في العاصمة بغداد.

لجهة الولايات المتحدة، يُلاحظ التحرك على خطين رئيسين: أولهما «الكتلة الكردية» التي يهمّ واشنطن الاحتفاظ بالنصيب الأكبر من قدرة التأثير عليها. وفي هذا الإطار تأتي جولات ممثل الرئيس الأميركي في «التحالف الدولي ضد داعش»، بريت ماكغورك، المكوكية ما بين أربيل والسليمانية. إذ، بعد لقائه الأسبوع الماضي، في أربيل، زعيم «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، مسعود البرزاني، حيث شدّد على ضرورة أن يكون إقليم كردستان «قوياً ومؤثراً» في المعادلة السياسية العراقية، التقى ماكغورك في السليمانية، أول من أمس، ممثلي أربعة أحزاب كردية معارضة ترفض نتائج الانتخابات وتطالب بإعادة إجرائها، وهي: «حركة التغيير» (غوران)، «التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة»، «الاتحاد الإسلامي الكردستاني»، و«الجماعة الإسلامية». أما على الخط الآخر، فتبرز الاتصالات الأميركية بتكتل «سائرون» المدعوم من زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، التي كشف عنها أمس مدير المكتب السياسي للصدر، ضياء الأسدي، لوكالة «رويترز» قبل أن يعود ويتراجع عنها. ووفقاً لما نقلته الوكالة عن الأسدي، فإنه لا اتصالات مباشرة مع الأميركيين، لكن ثمة وسطاء يجري استخدامهم لفتح قنوات مع أعضاء في تحالف «سائرون»، والوقوف منهم على حقيقة ما سيكون عليه موقف «الصدريين» في حال «توليهم السلطة»، خصوصاً لناحية «وجود القوات الأميركية في العراق». وعلى الرغم من أن الأسدي عقّب على التقرير بالقول: «(إننا) نرفض الجلوس مع الأميركيين والتعاون معهم حتى عبر هؤلاء الوسطاء»، إلا أن مسؤولاً أميركياً أكد لـ«رويترز» وجود اتصالات من هذا النوع، جازماً بقوله: «(إننا) في هذه المرحلة لا نعرف حقاً ماذا يريد»، فيما أشار مسؤول آخر إلى أن «الولايات المتحدة حريصة وراغبة في لقاء مجموعة متنوعة من الأشخاص الذين سيشاركون في الحكومة».

تحرص طهران على إطلاق تصريحات «ودية» تجاه جميع الفرقاء


مواقف تشي بأن الولايات المتحدة واعية وجود قدرات تأثير مضادة على الساحة العراقية، قد تستطيع قلب الصورة المتخيّلة في واشنطن وعواصم الخليج رأساً على عقب بحيث تصبح القوى التي يقع الرهان عليها اليوم في صفّ المعارضة، أو تعيد وضع نفسها وخصومها أمام الخيار الذي «لم يظهر حتى الآن أي بديل له بشكل جاد» بحسب ما يرى باحثون عراقيون قاصدين بذلك رئيس الوزراء حيدر العبادي. وفي قبالة الحذر الأميركي، يبرز الأداء الإيراني المتمهّل في التعامل مع نتائج الانتخابات، والعامل «بهدوء» على إدارة مفاوضات حلفائه منعاً لأي «خطوة متسرّعة». واللافت في ما تقوم به طهران أنها تحرص، إلى الآن، على التودد إلى جميع الفرقاء العراقيين، وخصوصاً زعيم التيار الصدري، ربما في محاولة منها لإيصال رسالة إلى خصومها الخليجيين بأن ما يرونه راهناً إنما هو «مساحة مناورة كبيرة» تمنحها لمن يُنظر إليهم على أنهم معاندون لنفوذها. وفي هذا الإطار، تتقدم التصريحات الإيرانية «الدافئة» حيال «سائرون»، التي كان آخرها ما صدر عن السفير الإيراني في العراق، إيرج مسجدي، الذي قال إنه «لا صحة لوجود خلافات» بين بلاده والصدر، واصفاً الأخير بأنه من «الإخوة الأعزاء والمؤثرين».
تصريحات بات «التيار الصدري» يقابلها بمواقف أقلّ حدّة مما بدر منه عقب الانتخابات، مُوجّهاً في الوقت نفسه انتقادات مبطنة إلى دول الخليج، بما من شأنه حمل الأخيرة على فرملة اندفاعها نحو «سائرون»، أو على الأقل إعادة حساباتها بشأن تموضعه السياسي بعيد الأمد. ونقلت وكالة «تسنيم» الإيرانية أمس، عن الأمين العام لـ«حزب الاستقامة» وتحالف «سائرون»، حسن العاقولي، قوله إن الأنباء عن «وجود مشاكل» بين إيران و«الصدريين» «غير صحيحة»، وتشديده على ضرورة أن «تكون العلاقات متوازنة مع كل الدول المحيطة بالعراق على أساس مبدأ حسن الجوار والاحترام المتبادل». وكان ضياء الأسدي قد أكد، من جانبه، في تصريحات تلفزيونية، أن «العلاقات مع إيران ثابتة»، وأن «الصدر لن يسمح باستخدام العراق منصة للهجوم على أي دول الجوار»، واصفاً السفير السعودي السابق في العراق، ثامر السبهان، بأنه «متسرع ولا يعرف أن أي تدخّل في الشأن العراقي سيكون مسيئاً».