تونس | أثناء تسليم رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد، مهام إدارة الدولة لخلفه رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، قال متهكماً: «المرة الماضية مشينا لمبادرة، إن شاء الله المرة الجاية ما نعملوش فتوى سيدي الشيخ»، في إشارة إلى «مبادرة قرطاج» التي قادها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، بهدف تنحية حكومته، وأملاً بألا يَطرح في «المرة المقبلة» رئيس «حركة النهضة» راشد الغنوشي، «فتوى» لتنحية حكومة الشاهد.

لم تكن «نكتة» الصيد كما وصفها الغنوشي، بعيدة عن التكهّن، ففعلياً يواجه يوسف الشاهد اليوم «السيناريو» ذاته الذي واجهه الصيد من قبله، إذ ينتظر الحاكم الشاب للقصبة (قصر رئاسة الوزراء) «فتوى قرطاج 2» التي ستحدّد مصيره رسمياً على رغم أنه بشكل شبه رسمي باتت أيامه أو «أسابيعه» في القصبة معدودة. وهو ينتظر القرار الرسمي وإنطلاق مفاوضات تشكيل حكومة جديدة والخلافات التي ستطرأ وغيرها من الإشكالات التي تحصل عادة، لتسليم المهام، أو ربما تجديد الثقة بشخصه.
خلال هذه الفترة التي لا تزال تفصل وزراء الحكومة ورئيسها عن معرفة مصيرهم رسمياً، سوف تكون الدولة في حالة «بطالة» أو «شلل». وفعليّاً، فقد دخلت تونس في حالة «الانتظار»، إذ ينصبّ اهتمام وزراء الشاهد، وهو نفسه، على ما يُحاك داخل قرطاج (قصر الرئاسة)، وعلى احتمال بقائهم من عدمه، وذلك تقريباً منذ النصف الثاني من شهر شباط/ فيفري الماضي إثر ظهور مؤشرات التوجّه نحو إجراء تعديل وزاري من خلال إعلان أمين عام «اتحاد الشغل» نور الدين الطبوبي، عن ضرورة ضخّ دماء جديدة في الحكومة.
يومها علم وزراء الشاهد، وهم في غالبيتهم العظمى سياسيون، أنّ رأس المركزية النقابية لا يتكلم من فراغ وأن أمراً ما يُطبخ في قصر الرئاسة بقرطاج. وفي 13 آذار/مارس الماضي، تحوّل تركيزهم من العمل على الملفّات المتراكمة في وزاراتهم إلى قرطاج حيث انعقد رسميّاً اجتماع الأحزاب والمنظمات الموقعة على «وثيقة قرطاج» الأولى التي جاءت بهم إلى الحكم، لصياغة «وثيقة قرطاج 2» التي ستزيح بعضهم أو كل الحكومة على الأرجح (كما ذهبت الوثيقة الأولى بحكومة الصيد).

منذ شهر آذار، تحوّل تركيز الحكومة نحو قصر قرطاج الرئاسي


هذه الوضعية من «البطالة» المستترة، هو ما كانت قد عرفته حكومة الصيد. فمنذ منتصف أيار/ماي 2016 تسرّبت أنباء عن توجه الباجي قائد السبسي إلى طرح مبادرة سترحّل الصيد عن القصبة، لتصبح تلك التسريبات رسمية بإعلان قائد السبسي في الثاني من تموز/جويلية 2016 عن مبادرته لتشكيل «حكومة وحدة وطنية» تتفق الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية على برنامجها، ويتم تضمين ذلك في وثيقة سميت «وثيقة قرطاج»، كما تتفق تلك الأطراف على الشخصية التي سترأسها وستنفّذ البرنامج المحدّد.
من يومها ومروراً بتاريخ 30 تموز/جويلية 2016 الذي مثّل يوم سحب البرلمان للثقة من الحبيب الصيد، وإلى حدود 30 آب/أوت (تاريخ تسليم الصيد لمهمة حكم القصبة ليوسف الشاهد وإلقائه طرفة «الفتوى»)، كانت البلاد في حالة «بطالة» وكان من الممكن أن تطول مدة تجمّد الملفات الكبرى أو الإشكالات التي لا يمكن للإدارة الحسم فيها، أكثر، لولا تدخل قائد السبسي خلال أحد اجتماعات «وثيقة قرطاج» الأولى وطرحه على ممثلي الأحزاب والمنظمات الاتفاق على مرشّح يخلف الصيد في ظرف 24 ساعة أو أنه سيفرض يوسف الشاهد كرئيس حكومة.
بطبيعة الحال كان من المستحيل آنذاك أن يتفق ممثلو الأحزاب والمنظمات على اسم، ما جعل الشاهد يخلف الصيد في القصبة. واليوم لا أحد يعلم كم من الوقت ستستغرق نقاشات اختيار الشخصية التي ستخلف الشاهد في ظل شبه إجماع على رحيله، وكم من الوقت سيضيع على حساب متابعة الإشكالات والملفات ذات الأولوية في البلاد والتي سيستغرق فهمها والإلمام بها من طرف الحكومة المقبلة بضعة أشهر قبل الانطلاق في حلّها... وهذا أيضاً وقت ضائع من عمر تونس.