بعد قرابة سنتين من تأديته مهمة وزير الخارجية في حكومة أحمد عبيد بن دغر، أزيح عبد الملك المخلافي من منصبه بموجب قرار صادر عن الرئيس المستقيل، عبد ربه منصور هادي، ليحلّ محلّه السفير اليمني السابق لدى الأمم المتحدة، خالد اليماني، الذي تمّ تعيين السفير اليمني في الولايات المتحدة، أحمد عوض بن مبارك، بدلاً منه مع احتفاظ الأخير بمنصبه الحالي. هذه القرارات الصادرة ليل الأربعاء - الخميس طرحت علامات استفهام في شأن خلفياتها وتوقيتها، خصوصاً أنها ترافقت مع تغييرات على المستوى العسكري نصّت على تعيين القيادي في الحراك الجنوبي، المناوئ للإمارات، اللواء الركن ناصر النوبة، في منصب قائد للشرطة العسكرية في مدينة عدن، وتعيين اللواء الركن محمد صالح طماح رئيساً لهيئة الاستخبارات والاستطلاع.

كثيرون قرأوا في تصدير النوبة المتحدر من محافظة شبوة، وتقديم طماح المنتمي إلى منطقة يافع، محاولة من قبل «الشرعية» لتعزيز أوراقها في مواجهة الإمارات التي لا تتمنّع عن اللعب على الحساسيات المناطقية التاريخية في جنوب اليمن بهدف توسيع رقعة نفوذها، وفق ما يؤكد تقرير حديث صادر عن «مجموعة الأزمات الدولية». وفي الإطار نفسه، يقرأ هؤلاء قرارات الإطاحة بالمخلافي وترقية اليماني وبن مبارك. ذلك أن وزير خارجية هادي بات مثقلاً بملفات الفساد التي تجد فيها أبو ظبي مادة دسمة لمهاجمة «الشرعية»، ومن هنا فإن استبعاده من المشهد قد يكون مفيداً للأخيرة في حربها المفتوحة مع الإمارات. حرب تقتضي الاستعانة بشخصيات من النوع الذي لا يروق الإماراتيين، وهو ما يبدو متوافراً في كل من اليماني وبن مبارك.

«الأزمات الدولية»: عدن مدينة مهملة ومشلولة


على أن هذه التغييرات لا يبدو، إلى الآن، أنها تستثير استياءً سعودياً، وهو ما يُفسّر لدى متابعين للشأن الجنوبي على أنه تكتيك مقصود من قبل المملكة، تحتفظ من خلاله بورقة «الشرعية»، و«تنكز» في الوقت نفسه من تحت الطاولة حليفها الإماراتي، الذي يظهّر يوماً بعد يوم أطماعاً غير محدودة في اليمن، لا يؤمن لدى الرياض أن تخرج عن السيطرة. ولعلّ الحلّ الذي خرجت به المملكة، أخيراً، لأزمة سقطرى، واحد من المؤشرات التي تؤكد تلك الرؤية. إذ إن لجنة الوساطة التي تمّ تشكيلها لحلّ التنازع بين «الشرعية» والإمارات لم يسفر عملها إلا عن الدفع بقوات سعودية إلى الجزيرة، والتخفيف من القوات الإماراتية الموجودة هناك، مع تصوير نوع من «الانتصار الدبلوماسي والإعلامي للشرعية»، من دون أن يكون لهذه الأخيرة «أي مساحة» في الأرخبيل، بحسب ما تؤكد مصادر في حكومة بن دغر.
في خضم ذلك كله، تتزايد المخاوف من أن يؤدي التجاذب المتواصل داخل جبهة «التحالف» إلى دورة عنف جديدة في مدينة عدن، التي تُعدّ مختبراً لشتى أنواع النزاعات، في ظل أوضاع معيشية مستمرة في التدهور. وهذا ما حذرت منه «مجموعة الأزمات الدولية» بقولها، في تقرير لها من عدن نشرته أول من أمس، إن كثيرين يتخوفون من أن «المرحلة المقبلة ستكون أسوأ». وتحدثت المجموعة، في تقريرها، عن تفشي مظاهر العسكرة في المدينة، مؤكدة أن ما تسمى «العاصمة الموقتة» لحكومة هادي «مشلولة نتيجة المأزق السياسي بين هادي والقوات المدعومة من الإمارات». وأشارت إلى أن «عدن تشعر بأنها مهملة... لم تحدث عمليات إعادة إعمار تذكر، وليس هناك أي بعثات دبلوماسية عاملة»، مضيفة أنه «في مرحلة ما كان ينظر إلى الإماراتيين على أنهم محررون، أما الآن فبات تعبير الاحتلال متداولاً». ورأت المجموعة أنه من «غير المنطقي أن يكون الحوثيون وحكومة هادي اللاعبين الوحيدين اللذين يمكن أن يتفاوضا على وقف للنار أو الشروع بتسوية»، متابعة أن «هناك أيضاً دوراً لجملة واسعة من اللاعبين الجدد على الأرض، وكذلك لأطراف خارجية».