تونس | بعد فشل اتفاق مبدئيّ كانت قد رعته باريس العام الماضي بين رئيس «حكومة الوفاق الوطنيّ» فايز السراج، والمشير خليفة حفتر، إذ لم يوقّعه أحد منهما وجرى الاكتفاء بالتقاط بعض الصور، تحاول الرئاسة الفرنسيّة حالياً تعويض إخفاقها بتنظيم مبادرة ليبية أكبر وأكثر شمولاً. وفي هذا الصدد، يلتقي غداً في باريس حشد من الفاعلين والمنظمات والدول، لم يسبق لهم أن جلسوا سويّة ووقعوا اتفاقات مشتركة، سواء في ما يخصّ الملف الليبيّ أو غيره.

للمرة الأولى، سوف تجمع «قمّة باريس 2»، رئيس البرلمان (شرق ليبيا) عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة غرب ليبيا) خالد المشري، والسراج وحفتر، إضافة إلى مرافقين ووفود أخرى. ولا ينحصر ركّاب «سفينة نوح الباريسية» في هؤلاء، بل تشمل اللائحة أيضاً الأمم المتحدة، الجامعة العربيّة، الاتحاد الأفريقيّ، دول جوار ليبيا، أعضاء مجلس الأمن الدائمين، تركيا، ألمانيا، إيطاليا، قطر، السعوديّة، الإمارات، والكويت.
صراع الكلّ ضدّ الكلّ؟
تركيبة الاجتماع وحدها، تدعو إلى التأمل. فهي تجمع بين دول تتناقض سياساتها على نحو جذريّ في الملف الليبيّ، فيما تُغيّب مثلاً روسيا التي تسعى لاستعادة حضورها الذي تضرّر عقب سقوط نظام القذافي. زوايا التناقض كثيرة، فبينما تتبادل هذه الدول التأكيدات على السعي إلى حلّ سلميّ يتكرسّ في قمة باريس، لم يتوقّف منذ الإعلان عن الحدث في الأيام الماضية القتال الدائر في مدينة درنة في شرق البلاد، الذي تشارك فيه الإمارات ومصر بطائرات ودعم عسكريّ وسياسيّ وإعلاميّ (على رغم وجود حظر دوليّ على توريد الأسلحة)، وتدعم فيه قطر وتركيا توجهات الفاعلين في طرابلس الداعية إلى وقف القتال وفكّ الحصار عن المدينة (قال أمس منصور الحصادي، عضو المجلس الأعلى للدولة، أنّ إيقاف القتال من ثوابت المشاركة في قمّة باريس 2).

قطر، السعوديّة، الإمارات، هم بين ركّاب «سفينة نوح الباريسية»


في حديث إلى «الأخبار»، يقول جلال حرشاوي، الباحث في الشؤون الليبيّة، إنّ «فرنسا تعمل عن قرب مع مصر والإمارات العربيّة المتحدة، ولم تمارس حتى الآن سوى ضغط محدود على القاهرة، ذلك فيما ينعدم ضغطها على أبو ظبي»، وهو أمر يرى أنّه «لن يتغيّر يوم غد خلال القمّة». ويعتبر الباحث أنّ «حالة قطر أكثر إثارة للاهتمام»، إذ إنّها «ضخّت كميّات ضخمة من السلاح لإسلاميّي ليبيا في 2011، لكن منذ ذلك الوقت استمر الدعم العسكريّ في التقلّص، حتى صارت لا تتدخّل في ليبيا عسكريّاً الآن في شكل شبه كامل».
لكن الدعم لا ينحصر في المسائل العسكريّة، حيث يرى حرشاوي أنّ قطر «توفّر على الأرجح دعماً أيديولوجيّاً وماليّاً للإسلاميّين». كما أنّ الرهان اليوم بالنسبة للإمارة كليّ، ولا يرتبط فقط بليبيا، إذ «يرغب القطريّون بلا ريب في دعم فرنسا (للدوحة) في أزمة حصارها من الإمارات والسعوديّة، لذلك فإنّ الدوحة سعيدة لدعم قمّة باريس حول ليبيا».
لا تقتصر التناقضات على القوى الإقليميّة، حيث يشير الباحث الليبيّ بشير الزواوي في حديث إلى «الأخبار»، إلى التنافس بين فرنسا وإيطاليا حول النفوذ في ليبيا، ويقول: «يبدو سفير إيطاليا غير سعيد، فهو لا يريد أن تنفرد فرنسا بالملف الليبيّ، لكنّ موقفه ضعيف بسبب عدم وجود حكومة في روما حاليّاً». التنافس بين الجارتين الأوروبيّتين حول الملف الليبيّ بدا واضحاً في الأعوام الأخير، ففيما بقي حضور إيطاليا مكثّفاً في غرب البلاد وتجنّبت تعميق تواصلها مع خليفة حفتر، تشددت علاقات الأخير بفرنسا وسرّبت الصحافة الفرنسيّة معلومات تفيد بوجود ضباط من الاستخبارات الفرنسيّة في شرق البلاد لتقديم المشورة والتنسيق.

ما المُنتظر من القمّة؟
لم تبق مسودّة الاتفاق رهينة الأطراف المشاركة، حيث جرى تسريبها وتداولها على نطاق واسع من دون أن يصدر نفي من السلطات الفرنسيّة. وتحوي الوثيقة 12 بنداً، أهمّها توحيد المصرف المركزيّ المنقسم الآن بين فرعين ورئيسين في طرابلس ومدينة البيضاء، يتنازعان الشرعيّة ولكلّ منهما سياسته الماليّة (يتعامل مصرف البيضاء مع شركة روسيّة لطبع العملة)؛ إجراء انتخابات قبل نهاية هذا العام؛ الالتزام بنقاشات توحيد الجيش التي تحتضنها القاهرة (عقدت حتى الآن ستّ جلسات من دون أن تفضي إلى نتائج عمليّة)؛ إجراء استفتاء على الدستور من دون تحديد موعده؛ تُسلّط عقوبات دوليّة على من يخرق الاتفاق بعد توقيعه.
أعلنت الرئاسة الفرنسيّة أنّ جميع الأطراف متفقون على هذه المبادئ، وقال مصدر دبلوماسيّ فرنسيّ لإذاعة «أوروبا 1» إنّه «لم تتبق سوى مناقشة التفاصيل الأخيرة معاً يوم الثلاثاء»، مضيفاً أنّه «سيكون من الجيّد أن تُوقّع الوثيقة هذه المرة»، وهو تصريح يعكس الخيبة التي خلّفها اتفاق «باريس 1» المُجهض. مع ذلك، أعلن «المكتب الإعلاميّ للمجلس الأعلى للدولة» أنّ خالد المشري أبلغ الجانب الفرنسيّ بضرورة إجراء استفتاء على الدستور كخطوة لإنجاح الانتخابات «لأنّ الانتخابات من دون دستور تعني الدخول في مرحلة انتقاليّة رابعة ذات نتائج عكسيّة».
موقف المشري الذي يتقاطع مع موقف السفير الإيطاليّ، يعكس تصدّعاً يمكن أن يتوسّع أكثر خلال النقاشات، إذ تشير المسودة إلى إجراء الاستفتاء قبل أو بعد الانتخابات من دون تحديد موعد ثابت. وعلى كلّ حال، ليس هذا الموقف الوحيد الذي يطرح شكوكاً حول «باريس 2»، إذ أعلن وفد مدينة مصراتة، إحدى أهمّ مدن غرب ليبيا من ناحية التأثير السياسيّ والعسكريّ، عن مقاطعته القمّة نظراً إلى إقصائها «عدداً من القوى السياسيّة». كما أعلن أحمد معيتيق، النائب في المجلس الرئاسيّ، ورئيس الوزراء السابق المنحدر من مصراتة، رفضه الدعوة من دون تحديد أسباب واضحة.
جدير بالذكر أنّه ليس من الغريب أن تأتي المعارضة من مدينة مصراتة، التي تبدي رفضاً شديداً لتولي حفتر قيادة الجيش خلال حوارات القاهرة. ووفق بشير الزواوي، فإنّ هذه المبادرة «ستبعد أطرافاً مشاركة في اتفاق الصخيرات وتُرسّخ حفتر في المشهد في شكل أكبر، كما لا حديث فيها عن إلزام أيّ طرف بوقف التصعيد، خصوصاً مع الحرب المشتعلة في درنة». ولا تبتعد قراءة جلال حرشاوي عن ذلك كثيراً، فعلى رغم التفاؤل الفرنسيّ والنوايا الإيجابيّة المُعلنة، يرى الباحث أنّه «لا يُنتظر من القمّة أيّ تغيير ملموس».