الرباط | بشق الأنفس وبمفاوضات مضنية، خرجت حكومة سعد الدين العثماني، من أزمة «حرب التصريحات» الأخيرة ومن معارك التراشق الكلامي. لكنّ السلم لم يطل عمره، إذ بعد ساعات قليلة من ذلك، دخلت في خندق آخر، يقول متابعون عن كثب للوضع السياسي في المغرب إنّه يُمثّل «بداية نهاية الائتلاف الحكومي».

ما تسبب بهذه الأزمة الأخيرة قبل أيام، هو تقرير كانت قد أعدّته لجنة برلمانية تدرس أسباب استمرار ارتفاع أسعار المحروقات في المملكة. وظلت اللجنة تتكتم على محتواه لمدة أربعة أشهر ونيّف، إلى غاية اندلاع سجالات حملة المقاطعة الشعبية التي شنها ناشطون عبر «فايسبوك» قبل أسابيع. تداعيات السجال حول «حقيقة ما يحتويه التقرير»، وصلت إلى حد التراشق بالاتهامات والأوصاف النابية، بين فرقاء الائتلاف الحكومي المدبر لشؤون البلاد، ما جعل التساؤل مشروعاً حول مستقبل هذا التحالف الحكومي، وحول ما إذا كان «تقرير المحروقات» سيقود نحو نسف ائتلاف الحكومة المغربية؟
في التفاصيل، فإنّ هذا التقرير حول أسعار المحروقات في المغرب، أعدته لجنة برلمانية، ترأسها قيادي في حزب «العدالة والتنمية» القائد للائتلاف الحكومي، هو عبد الله بوانو، لكنه لم يُنشر كاملاً في أي يوم، إذ بُترت منه فقرات «تشير إلى أرباح خيالية لشركات محروقات محددة»، كما يُشاع. وهذا ما دفع رئيس اللجنة بوانو، إلى أن يخرج منفرداً بتصريح صحافي، منتصف الشهر الجاري، يفضح فيه «ما خفي في التقرير... ويكشف عن أرباح خيالية لشركات المحروقات»، واصفاً إياها بـ«غير الأخلاقية». وقال إنّ تلك الأرباح «بلغت (ما نسبته) 900 في المئة، حيث وصلت إلى أكثر من 17 مليار درهم في سنة واحدة، هي 2017)».

ضرب «العدالة والتنمية» مصالح حليفه «حزب التجمع الوطني للأحرار»


المعطيات التي رحب بها الرأي العام وتبناها حزبه سياسياً، جرّت على بوانو وابلاً من الانتقادات والاتهامات من قبل برلمانيين وسياسيين في حزب «التجمع الوطني للأحرار»، الحليف لحزبه «العدالة والتنمية»، والمعروف بكونه «حزب رجال الأعمال»، ويترأسه الوزير عزيز أخنوش. الانتقادات أطلقتها أصوات من «التجمع الوطني» تهدد بـ«نسف» التحالف مع «العدالة والتنمية»، فيما ذهبت المعارضة البرلمانية إلى تحميل كل الحكومة المسؤولية عما يجري، وبالتالي تحميل «العدالة والتنمية» المسؤوية أيضاً.
أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري مصطفى السحيمي، يقول في حديث إلى «الأخبار»، إنّ هذا السجال يتكرر بين حلفاء الائتلاف الحكومي «وينبئ باستحالة استمراره نظراً إلى ضرب حزب العدالة والتنمية، القائد للتحالف الحكومي، مصالح حليفه حزب التجمع الوطني للأحرار المملوك (من قبل) رجال الأعمال»، مشيراً إلى أنّ هذا الواقع سيدفع بالأخير إلى البحث عن أقرب فرصة لفك تحالفه السياسي مع حزب رئيس الحكومة.
على المستوى الاقتصادي، يقول الخبير نجيب أقصبي، في حديث إلى «الأخبار»، إنّ «رقم 17 مليار درهم الذي حققته شركات المحروقات، ليس ربحاً، بل ريعاً»، شارحاً أنّ الربح «يحدث لو أنّ العملية حدثت في سوق رأسمالي تطبعه التنافسية، لكن 17 مليار درهم تمّ السطو عليها، والتسلط... عن طريق السلطة السياسية التي تحتكر السوق وتفعل ما تريد في إطار غير شرعي». ويعتبر أقصبي أنّه «إذا أرادت الحكومة أن تضفي على نفسها الحد الأدنى من الصدقية بعد الزلات التي وقعت فيها، فهي مطالبة بأن تسترجع هذا المبلغ بضريبة استثنائية، أو بأي طريقة أخرى... المهم أن يشعر المواطن بأن أمواله التي نهبت سيتم إرجاعها إلى خزينة الدولة واستثمارها في مشاريع اجتماعية».