تونس | رمضان هو موسم المسلسلات التونسية، سواء الكوميدية منها أو الدرامية، يعود خلاله المخرجون والممثلون إلى الضوء قبل أن يعاني أغلبهم البطالة القسرية في بقية شهور السنة. ولعلّ أكثر المسلسلات الدرامية جماهيرية هذا العام هو «تاج الحاضرة» الذي يتناول فترة حكم أحمد باي الأول (1837 - 1855). هذا المسلسل الذي تدور أحداثه في قصور البايات (حكّام تونس خلال العهد العثماني) يُعرض بموازاة «دراما» أخرى تكتب حلقاتها كل يوم في الواقع التونسي: عهد محمد الباجي قائد السبسي، رئيس الجمهورية الذي يحكم وكأنّه باي...

مسيرة محمد الباجي قائد السبسي تصلح من دون أي شك لأن تكون موضوع رواية طويلة أو مسلسل من عدة أجزاء. المصير الاستثنائي لهذا الرجل بدأ قبل ولادته بوقت طويل، وتحديداً منذ دخول سلفه الأول (وهو مملوك من جزيرة سردينيا) إلى قصور بايات تونس في القرن التاسع عشر وتدرجه في الخدمة حتى تقلد مهمة «قائد السبسي» أي المكلف بتحضير التبغ و«الكيف» للباي شخصياً. وبالتالي أصبحت الوظيفة هي لقب عائلة استمرت في الترقي حتى أصبحت مقرّبة من البايات وذات نفوذ في «الحاضرة» تونس، مستمر إلى اليوم. هكذا إذاً، ولد الباجي قائد السبسي في عائلة ثرية ومقربة من السلطة ولم يكن عليه إلا السير على نهج أسلافه، وهذا ما فعله بالضبط. بدأ في خدمة نظام بورقيبة لتنطلق مسيرته السياسية الطويلة والعجيبة، فتقلد عدة مناصب إدارية رفيعة وأشرف على سفارات وتولى حقائب الداخلية والدفاع والخارجية. حتى عندما تمّ الانقلاب على بورقيبة (عام 1987)، واصل محمد الباجي قائد السبسي خدمة النظام وعمل مع زين العابدين بن علي، وتولى رئاسة أول مجلس نواب في «العهد الجديد» قبل أن يعتزل العمل السياسي (أو يُجبر على الاعتزال) سنة 1991 (وهو في سن الخامسة والستين) ويتفرغ لحياته الشخصية وإدارة ثروته.
لم يخطر في بال أحد أنّ المحامي الذي خدم النظام طوال عقود والذي ابتعد عن الأضواء مدة عشرين عاماً يمكن أن يعود إلى المشهد بعد أسابيع قليلة من انتفاضة شعبية أطاحت الديكتاتورية. لا أحد أيضاً يعرف من الذي اقترح اسم محمد الباجي قائد السبسي لتولي رئاسة الحكومة التي ستشرف على أولى خطوات «مسار الانتقال الديموقراطي» وتُنظّم أول انتخابات «حرة ونزيهة وشفافة» في تاريخ البلاد. رغم تاريخه، قبلت أغلب الأحزاب تصدّر الباجي قائد السبسي للمشهد، مؤقتاً، ظناً منهم أنّ هذا «الشيخ» الثمانيني الذي لا حزب كبيراً وراءه ولا مستقبل سياسياً أمامه، لا يمثل أي تهديد ولا يمكن أن يُصبح منافساً في المرحلة المقبلة. حتى على المستوى الشعبي، حظي قائد السبسي بالقبول الحسن، وخصوصاً لدى كبار السن الذين ينتابهم الحنين إلى أيام «المجاهد الأكبر» بورقيبة، كذلك بالنسبة إلى البورجوازية والطبقات الوسطى التي لديها هاجس واحد، وهو الاستقرار.
كان من المفترض أن ينتهي دور السبسي عقب إعلان نتائج انتخابات 2011 وتولي الفائز (حركة النهضة) مسؤولية الحكم. ربما حلم قائد السبسي بتولي رئاسة الجمهورية حتى من دون صلاحيات، وربما وُعِدَ بها. لكن إصرار محمد منصف المرزوقي على تولي المنصب كشرط للتحالف مع «النهضة» ومنحها الأغلبية في المجلس التأسيسي قطع الطريق أمام هذا الحلم، أو كما سيظهر لاحقاً، فقد أجّل تحقيقه.
في هذه المرة، لم يعد المحامي إلى بيته، بل بقي في قلب المشهد السياسي وأسس حزب «نداء تونس» (2012) ليجمع شتات «الدساترة» ويطعمهم بعناصر نوعية من العلمانيين واليساريين «التائبين». أصبح الباجي قائد السبسي رئيس معسكر «الحداثيين» والوحيد القادر على وقف زحف الإسلاميين على الدولة ومفاصلها. «ضربة معلّم» مكنته من الفوز بانتخابات 2014 والحصول على اللقب الوحيد الناقص في مسيرته: رئيس الجمهورية. لكن يبدو أنّ شهية الرجل التسعيني للسلطة لا حدود لها، وأنّ صلاحيات المنصب الجديد، المحدودة، لا ترضيه (قلّم الدستور الجديد مخالب رئيس الجمهورية لمصلحة مجلس النواب ورئيس الوزراء)، وهو ما يجعله يسعى إلى توسيعها بكل الطرق، حتى تحوّل شيئاً فشيئاً من رئيس جمهورية إلى باي...

قصر من رخام ومجالس من ورق
المجلس التأسيسي الذي أفرزته انتخابات 2011 أصدر بعد ثلاث سنوات من انتخابه دستوراً أقرّ نظام حكم هجين. يتم انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من طرف الشعب، لكن السلطة الأكبر تبقى بيد مجلس النواب ورئيس الحكومة الذي ينال ثقة الأغلبية البرلمانية، يعني: نظامٌ لا هو بالرئاسي المطلق ولا بالبرلماني الحقيقي. فوز «نداء تونس» بالانتخابات التشريعية والرئاسية معاً مكّن قائدَ الحزب ومؤسّسَه ومنظرَه ومالكَه من تولي المنصب الرئاسي من دون أن يكون مجبراً على التقيّد بالصلاحيات المحدودة، كما أنّ تحييده لمنافسه «حركة النهضة» عبر التحالف معها مكّنه من هامش حرية كبير في ظل انعدام أي ثقل وازن للمعارضة.
تصرّفَ الباجي قائد السبسي منذ البداية كأنّه على رأس نظام رئاسي تقليدي يمتلك كل السلطات ويتحكم في المجلسين النيابي والوزاري. الرئيس/ الباي الجديد أصبح يحدد اسم الوزير الأول (الذي يفترض به أن يكون رئيس وزراء) ويتدخل في تعيين بقية الوزراء ويمرر القوانين التي يريدها عبر برلمان تابع وطيِّع يشبه «مجلس الأعيان» أيام حكم البايات. هو لا يكتفي بافتكاك سلطة المؤسسات الأخرى وإخضاعها، بل يهمشها تماماً عبر إطلاق مبادرات «وطنية» تهدف إلى تحشيد قوى من خارج البرلمان والحكومة لضمان أوسع توافق حول نظام حكمه، بغض النظر عن نتائج الانتخابات.

لا يملك ابنه، حافظ قائد السبسي، من صفات القيادة شيئاً


لعلّ «وثيقة قرطاج 1» التي اقترحها قصر الرئاسة سنة 2016 على الأحزاب والمنظمات الوطنية لتحديد أولويات الحكومة هي أبرز مثال على العقلية التي يدير بها الرئيس محدود الصلاحيات/ الباي مطلق الصلاحيات البلاد. لا يقبل الرئيس بقامات أطول منه في أعلى قمة السلطة، وهو لا يتردد في رفع الغطاء السياسي عن رؤساء الحكومات بعد أشهر من اختياره لهم وفرضهم على البرلمان، هو باق والكل مؤقتون. ما إن يسعى رئيس حكومة إلى ممارسة صلاحياته كاملة أو تتنامى شعبيته حتى يُقرر الباي «عزله» معتمداً على الأغلبية البرلمانية و«التوافق» السياسي الحاكم.
باي تونس يُحسن أيضاً ضمان ولاء أعيان البلاد، فتراه يستميت لإمرار قانون عفو عن كبار الموظفين ورجال الأعمال الذين تورطوا في جرائم فساد قبل الثورة، ويُوزّع المناصب الرفيعة على أبناء العائلات العريقة، وخصوصاً أصيلة «الحاضرة» (العاصمة تونس) والمدن الكبرى.

حافظ قائد السبسي: «باي الأمحال»؟
«باي الأمحال» هو أمير كان يُكلّف من طرف الباي الحاكم بجمع الجباية وسحق الانتفاضات والتمردات عبر توليه قيادة فرقة عسكرية تسمى «المحلة». عادةً ما يتولى ولي العهد مهمة «باي الأمحال»، فهي فرصة لإثبات قوته وجدارته وللتدرب على الحكم وللتعرف أيضاً إلى البلاد وأعيانها في الأرياف والمدن.
حافظ قائد السبسي، رئيس حزب «نداء تونس» الفائز بانتخابات 2014 وابن رئيس الجمهورية/ الباي الحالي، يُمثّل نسخة كاريكاتورية عن «باي الأمحال». عيّنه أبوه رئيساً لحزبه ليتفرغ هو لرئاسة الرعية وليُروّج فكرة أنّ الرئيس يقف على مسافة واحدة من كل الأحزاب. في حقيقة الأمر، أُريدَ من هذا التعيين حماية الحزب من أي محاولات انقلابية داخلية على الأب/ المؤسس، وفي الوقت نفسه ضمان مستقبل سياسي للابن، ولمَ لا، تحضيره لشغل أرفع المناصب في الدولة؟
لا أحد يريد أن يُصدّق أنّ رجلاً عاقلاً يمكن أن يرشح حافظ قائد السبسي لمنصب رئاسة الحكومة أو الجمهورية، ليس فقط لأن البلد حصل فيه ثورة ولأنه «قطع مع الماضي»، بل لأنّ المعني بالأمر لا يملك من صفات القيادة شيئاً: لا مسيرة سياسية ولا كاريزما ولا مهارات خطابية ولا عقلاً سياسياً متميزاً. لولا جلباب أبيه، لكان عارياً تماماً، ورغم النفوذ الكبير الذي يتمتع به، فهو لم يستطع حتى الحفاظ على وحدة حزبه الذي تصدّع وتعددت شقوقه وخسر عدداً كبيراً من قياداته المؤثرة ومناصريه.
نتائج الانتخابات البلدية التي جرت أخيراً في تونس، أثبتت مرة أخرى فشل قائد السبسي الابن في تسيير المعارك السياسية. فحزبه خسر قرابة مليون صوت مقارنة بانتخابات 2014، وبالكاد استطاع تحصيل خُمس أصوات الناخبين. آخر طرائف «باي الأمحال» تتمثل في تغريده منذ أيام، داعياً إلى إطاحة رئيس الوزراء الحالي يوسف الشاهد (ابن حزبه الذي زكّاه رئيس الجمهورية)، وإجراء تعديل وزاري نظراً إلى أنّ الحكومة (التي يُمثّل حزبه عمودها الفقري) فشلت ولم تحقق أي إنجاز!
لا يزال محمد الباجي باي يحاول الالتفاف على الدستور والقفز على المجالس المنتخبة عبر جعل نفسه محور العملية السياسية في تونس، مطلقاً المبادرة تلو الأخرى من داخل القصر. ولعلّ آخرها «وثيقة قرطاج 2» التي أُريدَ لها أن تكون خريطة طريق للمرحلة المقبلة، ولكن لم يتم توقيعها إلى اليوم لاختلافات في وجهات النظر حول مصير الحكومة ورئيسها. ربما لم ينجح رئيس الجمهورية في ضمان سلطة كالتي كانت للبايات، لكنه نجح في خلق أجواء تشبه تلك التي سادت في آخر فترات حكمهم: حصر المناصب الرفيعة في أيادي «الأعيان» المقربين من العائلة الحاكمة؛ تعدد أجنحة السلطة وتواتر صراعاتها؛ حجم ديون تاريخي؛ زيادة رهيبة في الضرائب والأسعار؛ قناصل الدول الأوروبية والمؤسسات المالية يرتعون في البلاد ويفرضون شروطهم، الخ.
بعض الكلام المكتوب أعلاه يمكن أن يُعرِّض كاتبه للمحاسبة القضائية بتهمة «إتيان فعل موحش ضد رئيس الجمهورية». نعم، هذه التهمة موجودة في «تونس الثورة» ويدخل بسببها تونسيون إلى السجن، وهي على فكرة موروثة من قوانين عهد البايات، نقّحها بورقيبة بعد إعلان الجمهورية سنة 1957 وغيّر كلمة الباي برئيس الجمهورية. منذ تولي محمد الباجي باي رئاسة الجمهورية الثانية سنة 2014، عادت هذه التهمة الفضفاضة و«القروسطية» إلى الحضور في المحاكم لمعاقبة التونسيين الذين يتطاولون على الذات الرئاسية. «الله ينصر سيدنا»...