في غضون شهر تقريباً، أي منذ تغيّب خليفة حفتر عن الساحة السياسية في ليبيا ونشر شائعات، شارك فيها الإعلام الفرنسي نفسه، تفيد بأنّه «يُحتضَر» في مستشفى باريسي، وقبل ذلك بقليل التغيّر الذي حصل في تركيبة «مجلس الدولة» في سلطات غرب البلاد وقاد إلى وصول «إخواني» على رأسه، مروراً بإعلان قوات حفتر الهجوم على درنة، وهي آخر المعاقل الخارجة عن سيطرته شرقاً، كان شيء ما يتغيّر في سويّات المشهد الليبي المتداخلة في ما بينها.

الإمعان في قراءة تطورات المشهد بنحو عكسي، من اجتماع باريس اليوم، إلى بدايات شهر نيسان/أبريل الماضي، لا بدّ أن يُسهم في تفكيك بعض التعقيدات. حفتر في اجتماع باريس أمس، كان يجلس على يساره رئيس برلمان (الشرق الليبي) المعترف به دولياً عقيلة صالح، يتبعه رئيس «حكومة الوفاق» (غرب) فائز السراج، ثمّ رئيس «مجلس الدولة» (غرب) «الإخواني» خالد المشري، وهي صورة ليبية جامعة ما كانت لتحصل ربما لولا أنّ عقيلة صالح كان قد اخترق جدار الانقسامات الليبية، أفقياً وعمودياً، في ظلّ «الاحتضار الباريسي» لحفتر الشهر الماضي، والتقى بـ«الإخواني» المشري، في المملكة المغربية، علماً بأنّ ذلك لم يؤثر جدياً في ما بعد بعلاقة الثنائي حفتر ـــ صالح. وجدير بالذكر أنّ ذلك «اللقاء المغربي» مثّل في حينه خرقاً غير مسبوق، ليس في العلاقات بين سلطات الشرق والغرب الليبيين فحسب، بل خرق في جدار مجمل علاقات الشرق الليبي، إذ حتى تلك اللحظة كان من المستحيل تصور انعقاد لقاء بين فريق حفتر و«الإخوان» تحت أي مسمى، خاصةً أنّ لقاءات كهذا ستعاكس توجهات داعمَي الرجل الإقليميين، أي القاهرة وأبو ظبي.
هل معنى ما سبق أنّ ما جرى في المرحلة الأخيرة عاد ليصبّ في مصلحة حفتر؟ عدة مؤشرات تدل على ذلك، إذ يبدو واضحاً وفقاً لمعطيات عدة أنّ تطورات الشهرين، الجاري والماضي، أسهمَت في جمع حفتر والسراج والمشري، وفي تذليل عقبات هذا اللقاء الباريسي الذي رأى فيه إيمانويل ماكرون أنّه يُمثّل «خطوة رئيسية نحو المصالحة». ووفقاً لدبلوماسي مصري، تحدّث إلى «الأخبار»، فإنّ الإعداد الفعلي لهذا المؤتمر بدأ بتنسيق فرنسي ـــ مصري «وبهدف عام وبعيد المدى نسبياً، وهو أن تتولى باريس من خلال هذا المؤتمر عملية التوافق على الانتخابات وتفاصيلها، فيما تسرّع مصر من اجتماعات توحيد الجيش الليبي» التي أصبح عددها ستة اجتماعات حتى الآن (علماً أنّه لا نتائج ملموسة لها بعد). وفي حديث إلى «الأخبار»، أكد مصدر مصري، أنّه عقب انتهاء الاجتماع الباريسي «ثمة اجتماع عسكري قريب جداً، يجري الإعداد له في القاهرة، هدفه استكمال البحث في سبل إعادة توحيد الجيش الليبي».

الإعداد الفعلي لهذا المؤتمر بدأ بتنسيق فرنسي ـــ مصري


وكان التنسيق الفرنسي ـــ المصري قد انطلق عملياً أثناء زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان، للقاهرة في 29 نسيان/أفريل الماضي، حيث التقى المسؤولين المصريين، وعلى رأسهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبحث معه في الشأن الليبي، معلناً في ختام زيارته أنّ «العملية الانتخابية... يجب أن تحصل قبل نهاية العام الحالي».
وقد اتفق الفرقاء الليبيون أمس، على «التزام تحسين الظروف العامة من أجل تنظيم الانتخابات الوطنية بشتى الوسائل الممكنة، بما في ذلك نقل مقر مجلس النواب (من طبرق إلى بنغازي) وفق ما ورد في الإعلان الدستوري وإلغاء الحكومة والمؤسسات الموازية تدريجاً، وحثّ مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على السعي فوراً إلى توحيد البنك المركزي الليبي والمؤسسات الأخرى». وتضمن أيضاً هذا «الإعلان السياسي في شأن ليبيا» التزام «القادة الليبيين العمل بنحو بنّاء مع الأمم المتحدة لتنظيم انتخابات سليمة وذات صدقية»، فيما حُدّد «إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 10 كانون الأول/ديسمبر 2018».
على خلفية هذه الاتفاقات غير الموقعة من أي طرف، سعى حلفاء حفتر إلى تدعيم موقفه «الباريسي» وإظهاره بمظهر الرجل الصلب القوي، فيما جلس الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، إلى يمينه، لتكتمل صورة الدعم «العربي الرسمي»، أي الإماراتي والسعودي والمصري، لـ«شرعيته». لكن دون تلك الشرعية عقبات لا تزال جمّة: حفتر سيعود إلى ليبيا فيما تبدو معارك درنة متعثرة، برغم الدعم اللوجستي والعكسري المصري والإماراتي؛ لم يكن كل الشرق الليبي خلفه في اجتماع باريس، ولا الجنوب الليبي بطبيعة الحال، فيما غاب عن سلطات غرب البلاد دعم مدينة مصراتة النافذة ميدانياً وعسكرياً، ودعم مجموعات «طرابلسية»، ما يطرح عدداً من الأسئلة عن مآلات الاتفاقات الباريسية (تشكك بعض القوى في غرب ليبيا في نيّات فرنسا، فيما يقول محمد الجراح من مكتب «ليبيا آوتلوك» لـ«فرانس برس»: «إن كثيرين في الغرب الليبي يعتبرون المبادرة الفرنسية محاولة لتعزيز موقع خليفة حفتر وجعله لاعباً لا يمكن الاستغناء عنه»). يُضاف إلى كل ذلك أنّ الإعلان لم يوقّع عليه أحد، وبالتالي قد ينتهي كسابقه الذي جرى التوصل إليه حين جمع الإليزيه في بداية عهد ماكرون بين حفتر والسراج، فضلاً عن أنّ ماكرون في اجتماعه هذا، يعرض عملياً «عضلات» الدور الفرنسي، من دون الأخذ في الاعتبار موقف إيطاليا مثلاً ذات الدور الوازن نسبياً بين خريطة القوى الغربية في ليبيا (سبق لصحيفة «لا ريبوبليكا» أن نقلت عن مصادر دبلوماسية إيطالية، اعتبارها أنّ «ماكرون يبدو كأنه يريد اغتنام هذا الظرف من غياب إيطاليا السياسي عن الملفات الليبية» بسبب الأزمة السياسية في روما).