لم تتمكن إسرائيل من التشويش على حقيقة أن المقاومة الفلسطينية نجحت في تحقيق إنجاز ردعي في سياق حركة الصراع المفتوح مع الاحتلال. منذ الصليات الأولى، كان واضحاً أن المقاومة سعت الى تحقيق ثلاثة أهداف في آن واحد: الأول، إيصال رسالة ردع تربك حسابات طاولة صناعة القرار السياسي والأمني في تل أبيب، والثاني تجنّب تلقي خسائر تؤدي الى نتائج معاكسة للرسالة الصاروخية، والثالث تجنّب التدحرج نحو مواجهة واسعة ومفتوحة ولكن ليس على حساب الردع الفلسطيني.

ليس بإمكان تل أبيب إنكار حقيقة أن الرسالة الفلسطينية حضرت بقوة في الواقع الإسرائيلي ولدى كافة المستويات، وهو ما حضر في الخطاب السياسي الرسمي وأداء الجيش العملاني وتعليقات المعلقين السياسيين والأمنيين.
واستطاعت هذه الرسالة أن تبدّد تشكّل تقدير لدى القيادة السياسية في تل أبيب بفعل العديد من العوامل، راهن من خلاله على أن الطريق ممهدة للتمادي في العدوان ومحاولة فرض معادلات جديدة، انطلاقاً من أنّ الواقع الصعب والمتفاقم في قطاع غزة يسهم في تعزيز مردوعية فصائل المقاومة. ويمكن التقدير أن الظرف الاقليمي الإسرائيلي كان حاضراً أيضاً لدى الجهات التي اتخذت قرار الرد الصاروخي، لجهة أن المتغيرات الاقليمية المتسارعة وتصاعد حالة التوتر على الجبهة الشمالية ووجهة اهتمام المؤسستين السياسية والأمنية الإسرائيلية، سيشكّل عاملاً مساعداً لكبح إسرائيل عن الجنوح نحو سيناريوات متطرفة. وهو ما يتقاطع مع ما كشفه التلفزيون الإسرائيلي حول وجود توافق بين المستويين السياسي والأمني على أن مصلحة إسرائيل تفترض عدم خوض جولة إضافية مع قطاع غزة، وتحديداً في الوقت الذي يجب أن ينصبّ الاهتمام الإسرائيلي نحو الجبهة الشمالية.
لكن المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل أن هذا المسار الاقليمي يبدو أنه مفتوح زمنياً ولا يتوقع أن يكون عابراً، وبالتالي سيبقى حاضراً بل وربما يتفاقم بما يوسع من هامش فصائل المقاومة لتعزيز قدرة ردعها ويجبر إسرائيل على أن تكون أكثر حذراً في سياساتها العملانية. على هذه الخلفية، يمكن التقدير أنّ الرؤية التي انطلق منها قرار الرد الصاروخي ستكون حاضرة في حسابات القادة الإسرائيليين في المرحلة اللاحقة، وهكذا تكون المقاومة الفلسطينية حققت هدفها الرئيسي من هذه الجولة.
أيضاً، تمكنّت المقاومة الفلسطينية من خوض هذه الجولة، مع حدّ أدنى من الخسائر، وهو ما أقرّت به جهات إعلامية إسرائيلية، فضلاً عن أن المستوى الرسمي لم يتحدث عن خسائر بشرية في صفوف الطرف الفلسطيني. ولم يكن ذلك صدفة، في ضوء استهداف جيش العدو، بحسب التقارير الإسرائيلية، لعشرات الأهداف التابعة لحركتي حماس والجهاد الاسلامي. وهو يعني أحد أمرين أو كليهما معاً، إما أنه نتيجة اجراءات وتكتيكات فلسطينية، وبالتالي هو إنجاز في مواجهة الاستخبارات الإسرائيلية، أو أن إسرائيل امتنعت عن ذلك لإدراكها أن الرد سيتصاعد ويضعها أمام خيارات تدحرج محرجة لا تريدها. وفي كلا الحالتين، يشكّل الأمر إنجازاً فلسطينياً. مع ذلك، حاول بنيامين نتنياهو أن يبدد هذه الصورة، أمس، عندما اعتبر أن «الجيش ردّ بقوة ضد غزة، عبر مهاجمة عشرات الاهداف في ضربة هي الأقسى من سنوات» ولكنه تجاهل الإشارة إلى محدودية نتائج هذه الهجمات، وأن الفصائل الفلسطينية ردّت أيضاً بما لم تقم به منذ سنوات.
إلى ذلك، أحد أهم الضوابط والاهداف التي كانت حاضرة لدى المقاومة الفلسطينية، أن لا تذهب نحو مواجهة عسكرية واسعة في هذه المرحلة. ولكن التحدي كان يكمن في كيفية تحقيق ذلك من دون أن يكون على حساب رسالة تعزيز الردع الفلسطيني. وهو ما تحقق بالفعل. ولعل من أبرز المواقف التي تعكس مفاعيل الرد الفلسطيني، كلام نتنياهو نفسه، عندما توعد المقاومة بأن لا تواصل اختبار إسرائيل، لأنها في المرة المقبلة ستدفع أثماناً باهظة. وفي الإطار نفسه، يندرج ما أكدته «القناة 13»، أن التوجه في الجيش الإسرائيلي كان إلى حدّ كبير إعادة الواقع الأمني إلى ما كان عليه، من الهدوء، وهو ما يؤكد أن الجيش كان حريصاً على تجنّب الضربات التي قد تستفز الطرف المقابل للرد بمستويات الى التدحرج. وفي محاولة للتعويض على محدودية مفاعيل الضربة العسكرية، لجأ المعلق العسكري للقناة، روني دانيئيل، إلى تعداد أعداد الشهداء الذين سقطوا خلال الشهر ونصف الشهر اللذين سبقا المواجهة الصاروخية، مقرّاً بأن الجيش الاسرائيلي لم يقتل أيّاً من عناصر «الجهاد» و«حماس».
ومن أبرز معالم الارباك الذي ساد المؤسسة السياسية، التضارب في المواقف بين أعضاء المجلس الوزاري المصغر، بشأن التوصل إلى تفاهم على وقف إطلاق النار مع فصائل المقاومة. وهو ما دفع أحد المعلقين إلى القول إن لكل وزير من أعضاء هذا المجلس سياسته الخاصة. وبرز هذا الامر تحديداً في موقفَي رئيس «البيت اليهودي» ووزير التربية، نفتالي بينت، ومعه وزير الاستخبارات إسرائيل كاتس، اللذين أكدا عدم وجود اتفاق على الهدنة. في المقابل، أكد وزير الطاقة يوفال شطاينتس التوصل إلى اتفاق هدنة.
في ضوء هذه النتائج، قد يكون المستوى السياسي في تل أبيب يرى في نهاية هذه الجولة أن المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة نصبت له كميناً، خرج منه بأقل الأضرار. ولكن بالنسبة إلى سكان المستوطنات في جنوب إسرائيل، فإن مفاعيل هذه الجولة كانت وستكون قاسية على شعورهم بالأمن، لأنها بدّدت بنظرهم صورة الردع الإسرائيلي بعدما لمسوا بأنفسهم أن الجيش الذي يستندون إليه لم يتمكن من إسكات الصواريخ ولم يردع فصائل المقاومة، وبالتالي فإن هذا السيناريو يمكن أن يتكرر في أي محطة لاحقة.
في مقابل كل ما تقدم، ينبغي التأكيد أن ما جرى هو جولة في سياق معركة متواصلة ومفتوحة. وبفعل مجموعة من العوامل، من ضمنها محدودية خيارات إسرائيل، قد تجد نفسها مضطرة إلى خوض جولة قتالية أخرى. لكن هذه الجولة جسّدت إرادة المواجهة لدى الشعب الفلسطيني، وكشفت أن وحدة فصائل المقاومة على قاعدة التصدي لمحاولات تطويع إرادة الشعب، قادرة على إرباك مخططات العدو، وفرض معادلات في الصراع تخدم حركة المقاومة وفلسطين.