الجزائر | قبل نحو تسعة وعشرين عاماً، وقف الملك المغربي ورؤساء موريتانيا والجزائر وتونس وليبيا على باب قاعة المؤتمرات في مراكش لالتقاط صورة تذكارية تخلّد قراراً تاريخياً توصلوا إليه في مؤتمر قمة جرى الإعداد له لأكثر من ثمانية أشهر. الخمسة وهم على التوالي: الحسن الثاني، معاوية ولد سيد أحمد الطايع، الشاذلي بن جديد، زين العابدين بن علي، ومعمر القذافي، كانوا قد اتفقوا في اجتماع تمهيدي في بلدة زرالدة الجزائرية في حزيران/جوان 1988 على إعلان الاتحاد في غضون عام على الأكثر.. وها هم وقفوا اليد باليد، بعد ذلك، مبتسمين أمام العدسات ليبلغوا رسالة للأجيال: لقد اتحدنا.

كانت تلك الوقفة التاريخية في السابع عشر من شباط/فبراير عام 1989، بعد توقيع معاهدة تأسيس اتحاد المغرب العربي كمجموعة إقليمية تواجه مرحلة جديدة في تطور العلاقات الدولية تتسم بالتكتلات وجمع الجهود. وتبعت الاعلان احتفالات في العواصم الخمس بالانجاز الكبير، وأحلام بنهاية الخلافات وتدشين عهد جديد من التعاون والتآزر. ساد التفاؤل بانتهاء أكبر معضلة في المنطقة، وهي مسألة إقليم الصحراء الغربية المتنازع عليه بين المغرب وجبهة البوليساريو على اعتبار أنّ المغرب قبِل باستفتاء تقرير المصير والجزائر التي تساند هذا الخيار التزمت مسبقاً بالنتيجة أكانت اندماجاً أم استقلالاً. واعتَبر الخطاب السياسي في الدول الخمس أنّ بناء الاتحاد خيار استراتيجي لا تراجع عنه، وبدأ الكلام مبكراً عن حرية تنقل الأشخاص والخدمات والسلع ورؤوس الأموال، وعن توحيد السياسة الجمركية والتفاوض كطرف واحد مع الأطراف الدولية خاصة (مع نواة) الاتحاد الأوروبي الذي يُعدُّ أكبر مموّن وأكبر زبون لدول المنطقة.
تمّ وضع خريطة متكاملة للتصنيع والإنتاج الزراعي، ووُضعت قائمة للسلع والخدمات المتوافرة التي تتبادلها الدول الأعضاء وتمتنع عن استيرادها إلا في حال عدم توافرها في بلد آخر من بلدان الاتحاد... وسياسة تعليم تجمعها صيانة القيم المشتركة، فضلاً عن الالتزام بعدم دخول أي بلد بمفرده في حلف مع طرف خارجي واعتبار العدوان على أي من البلدان عدواناً على التكتل برمته يستوجب الرد الجماعي.
وفي الميدان، بدأت اجتماعات ماراثونية للوزراء والموظفين السامين والخبراء لرسم السياسات وإقامة هياكل الاتحاد، انبثقت عنها خمس هيئات دائمة ولجان تقنية قطاعية يتركز نشاطها حول دعم التنمية وتكاملها وترقية مستوى معيشة السكان، وبدأ الحديث حتى عن تأسيس جامعة موحدة تنتشر كلياتها في البلدان الخمسة تُكوّن كوادر يُعنَون برعاية وتسيير عمليات الإدماج في مختلف المجالات، وبناء برنامج مواصلات عبر سكك الحديد والطرق البرية لتعزيز التجارة البينية، وإلغاء الرسوم الجمركية... ومن فرط التفاؤل، بدأ البعض في الصحافة والدوائر السياسية الحديث عن عملة مغاربية موحدة.
لكنّ نشاط الاتحاد كان بطيئاً جداً بالنظر إلى بعض المستجدات، خاصة في الجزائر. فقد صدر بعد أسبوع فقط من إعلان مراكش دستور مغاير تماماً لدساتير البلدان الأعضاء. دستور الثالث والعشرين من شباط/فبراير 1989 الذي أتاح التعددية السياسية وفتح قطاع الإعلام وأصبحت الجزائر مغايرة من حيث النشاط العام لما كانت عليه قبل أيام ولما هو عليه الوضع في الجوار. فلقد صارت أبواب النقد السياسي والمعارضة مفتوحة، حتى في وسائل الإعلام الحكومية التي تحولت الى «وسائل للخدمة العمومية» وليس للخدمة الحكومية كما كانت منذ استقلال البلاد عام 1962، وكما هي أيضاً في البلدان الأربعة الأخرى. ونشطت الساحة الجزائرية، بفعل هذا التغيير، كما لم يسبق أن حدث، وظهرت التيارات السياسية والأيديولوجية الممنوعة في البلدان المجاورة لتعمل بشكل علني وتعرض مشاريعها وأفكارها. وحصل العشرات من تلك المشاريع على اعتمادات رسمية لتأسيس أحزاب، وبرز إلى الوجود شعار «التداول على السلطة». وجرت انتخابات تعددية شاركت فيها أحزاب إسلامية وعلمانية يسارية ويمينية وظهرت البيئة مختلفة مع المحيط. وبدأت حساسيات مع تونس وليبيا خاصة، بسبب سلوك المعارضة الجزائرية التي تساند المعارضة الخفية في البلدين، من دون أي مضايقة من السلطات الجزائرية، لكون الدستور الجديد والسياسة الجديدة يكفلان حق العمل السياسي والتعبير الحر. ولما بدأ الصراع المسلح في الجزائر بفعل الانفتاح غير المدروس، استغل المسلحون الإسلاميون التوتر القديم مع المغرب فجعلوا منه معبراً للسلاح والمال. وفي المغرب اعتقل زعيم الجماعة الإسلامية المسلحة ومؤسّسها عبد الحق لعيايدة بعدما طالب به القضاء الجزائري بناءً على تقرير من المخابرات حدّد حتى المكان الذي يبيت فيه والشخصيات التي قابلها خلال إقامته هناك. وفي خريف 1993 تسلمت الجزائر القائد الإرهابي وعدداً آخر ممن لجؤوا إلى المغرب لمحاربة بلدهم، ومع هذا لم يبلغ الخلاف بين البلدين حدّ التوتر، الى أن قررت الرباط فرض التأشيرة على الجزائريين بعد تفجيرات استهدفت فندقاً في مراكش شهر آب/أغسطس من عام 1994 اتهمت فيها السلطات المغربية المخابرات الجزائرية بتدبيرها وتنفيذها، وكان الرد الجزائري بقرار من الرئيس اليمين زروال يقضي بإغلاق الحدود البرية الى أجل غير محدد، ولم تفتح حتى الآن.
مع هذا، كانت دورات هيئات الاتحاد تنعقد في مواعيدها باستثناء المجلس الرئاسي الذي تعطل بشكل كامل. ولأن هذا المجلس هو أهم مؤسسة، لم تكن لباقي الأنشطة أيّ فعالية على صعيد النتائج، ولم تطبق بنود الاتفاقيات التي أفرزها مؤتمر التأسيس ولا تلك التي أقرّتها المجالس الوزارية المختلفة. وأقدم كل بلد بمفرده على المفاوضات وتوقيع اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وعقد الاتفاقات، بما فيها الشراكة السياسية مع أطراف أخرى، من دون العودة إلى معاهدة الاتحاد كمرجع. أما المشاريع المشتركة وسياسة التعليم وحرية تنقل الاشخاص والسلع وغيرها من الاحلام الوردية التي زرعها القادة الخمسة، فلم يبق منها شيء. بل هؤلاء القادة المؤسّسون، باستثناء الملك الحسن الثاني الذي توفي عام 1999 وهو على رأس الحكم، غادروا مناصبهم قسراً بعد سنوات طويلة من الحكم حصدت منها بلدانهم الإخفاقات والاهوال. فالشاذلي بن جديد رئيس الجزائر غادر القصر الرئاسي مرغماً في 11 كانون الثاني/يناير 1992 على وقع هزيمة انتخابية مدوية أمام الاسلاميين، تحولت الى حرب خلّفت نحو ربع مليون قتيل، على ما أعلن الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة قبل عشر سنوات. ومعاوية ولد سيد أحمد الطايع لم تشفع له 20 سنة من حكم موريتانيا، فسقط بانقلاب عسكري عام 2005، فيما هرب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي تحت ضغط الجماهير الثائرة ضده بشعار «ارحل»... وقتل معمر القذافي في أكثر صور موت الرؤساء مأساوية... قادة فشلوا في سياساتهم الداخلية وأرادوا بناء سياسة مشتركة ناجحة، فهل يعقل هذا؟ فماذا بقي من ذلك الاتحاد غير الشعار الأبدي «اتحاد المغرب العربي خيار استراتيجي لا حياد عنه» تردّده الصحف وقنوات التلفزيون وبعض الرسميين لمناسبة ذكرى التأسيس؟ تجري من حين لآخر اجتماعات في هذه العاصمة أو تلك من عواصم بلدان الاتحاد، يعلن عنها باحتشام من الصحافة، لكنها لا تحسم في أي أمر. ويبدو الاتحاد مثل قطار توقف نهائياً في محطة مهجورة بعد تآكل السكة التي يفترض أن يسلكها. فالنشاط الإرهابي صار واقعاً منتشراً في كل تلك البلدان بدرجات متفاوتة، وموضوع الصحراء عاد الى النقطة الصفر وصار عامل تفرقة أكثر من أي وقت مضى، بعد التخلي النهائي للمغرب عن مسار استفتاء تقرير المصير الذي رسمته الامم المتحدة وتشبّثت الجزائر به. وليبيا صارت ساحة حرب لا أحد يعرف منتهاها، وتونس تتجاذبها الاحداث وغاب عنها «الانضباط» الاجتماعي المعروف عنها منذ استقلالها. أما موريتانيا فلا يغيب عنها ظل الانقلابات.
في كل بلدان المغرب العربي تغيّر كل شيء وصارت القوى تتصارع علناً في ما بينها لأمور الداخل، ولم يبق ثمة أيّ مجال للتفكير في التكتل كما كانت الحال قبل تسعة وعشرين عاماً. بل وفشلت حتى المحاولات الخارجية لبعث الروح في الاتحاد، على غرار مبادرة أطلقتها الإدارة الاميركية آخر تسعينيات القرن الماضي لرعاية بناء قطب اقتصادي كبير ومتكامل في شمال أفريقيا، وجرى التفكير حتى في انضمام مصر. وسمّيت تلك الخطوة «مبادرة ايزنشتايت» نسبة إلى ستيوارت ايزنشتايت، وهو نائب وزير الخزينة الاميركي، الذي أشرف على إعداد البرنامج. وبني المسعى على دراسة قدمها خبراء أظهرت أنّ منطقة شمال أفريقيا تتوافر على كل خصائص النهوض في أسرع وقت، ففيها الموارد المادية والكفاءات والموقع المتميز بين ثلاثة بحار، تتخللها معابر حيوية. لكن ثلاثة متغيرات عصفت بذاك المسعى: أوّلها التغيير المفاجئ في الجزائر حين أعلن الرئيس اليمين زروال تخليه عن السلطة وتنظيم انتخابات مسبقة، وهو ما أثار الشكوك حول استقرار البلاد، وثانيها رحيل الملك الحسن الثاني، وثالثها وهو العامل الأهم، تغيّر الاتجاه والأولويات في الإدارة الاميركية بعد وصول الرئيس الجمهوري جورج دابليو بوش الى البيت الابيض وتركيزه على الانتشار العسكري شرقاً.
كانت «مبادرة ايزنشتايت» آخر تفكير «جاد» في تجاوز المعضلة السياسية في سبيل النهوض الاقتصادي، وأعادت الروح إلى مقررات مؤتمر مراكش الذي أعلن فيه القادة الخمسة عن اتحادهم. واليوم يزداد الشرخ مع ما يبدو من استعدادات لتغيير الوضع في المنطقة بتدخل أميركي فرنسي خليجي يشمل المغرب العربي والساحل الأفريقي، في سياق ما يبدو أنه مطاردة لفلول «داعش» و«القاعدة» الهاربة الى شمال أفريقيا بعد هزيمتها في سوريا والعراق. واليوم زاد الشرخ أكثر بعدما أطلقت الرباط رصاصة الرحمة على الاتحاد بركوبها موجة الحلف الاميركي الخليجي الإسرائيلي ضد إيران ووشايتها ضد الجزائر لوضعها في مرمى النار، حين ادّعت أنّ ضباطاً من «حزب الله» درّبوا البوليساريو في مخيمات تندوف بتنسيق من السفارة الايرانية في الجزائر وبعلم السلطات الجزائرية. على ذلك، يبدو أنّ أمر الاتحاد انتهى إلى موت حقيقي.