القاهرة | لعقود طويلة، تصدّر «حزب الوفد» مشهد الحياة الحزبية في مصر، انتقل خلالها من المشاركة في الحكومات وترؤسها في مطلع القرن الماضي، إلى صفوف المعارضة القوية في فترات لاحقة، قبل أن يشهد فترات التراجع الكبيرة، التي بلغت ذروتها بعد محاولة ترشيح السيد البدوي لرئاسة الجمهورية في عام 2018، غداة انسحاب واستبعاد كافة المرشحين المحتملين.

قرار الترشيح ولّد عاصفة غير مسبوقة داخل الحزب المصري العريق، حيث وقف «الوفديون» صفاً واحداً ضد الخطوة، فاضطر البدوي إلى النزول عند رغباتهم، وهو ما استكملته الهيئة العليا بعدم الدفع بمرشح رئاسي حفاظاً على تاريخ «الوفد» وسمعته.
بعد الخروج من مأزق الانتخابات الرئاسية، انطلقت الانتخابات «الوفدية» على مقعد رئيس الحزب، الذي ظفر به المستشار بهاء أبو شقة، القانوني المخضرم، الذي يحاول لعب دور «الفارس» الساعي إلى توحيد الأحزاب المصرية، التي يناهز عددها مئة، بحيث تُصبح أكثر تأثيراً وحضوراً في الشارع.
«بعد كلمة الرئيس السيسي في مؤتمر الشباب الأخير، وإعلانه رغبته في وجود لجنة تنسيقية بين الأحزاب والحكومة لدعم الأحزاب، لكي تؤدي دورها بكفاءة، بادر حزب الوفد إلى دعوة الأحزاب الأخرى إلى لقاء لتشكيل هذه التنسيقية». هكذا شرح المتحدث الرسمي باسم «حزب الوفد» لـ«الأخبار» نقطة البداية لمبادرة توحيد الأحزاب، والتي استكملت بالفعل في عقد اجتماع تنسيقي، هو الأول من نوعه منذ نهاية حكم «الإخوان المسلمين» في عام 2013.
المستشار بهاء أبو شقة، رئيس «حزب الوفد»، قال خلال الاجتماع التنسيقي الأول للأحزاب، إن الهدف من هذه الخطوة يتمثل في الاتفاق على تشكيل لجنة تنسيقية، وتحقيق انسجام أكبر خلال مناقشة مختلف القضايا، وكذلك لتفعيل المادة الخامسة من الدستور، التي تنص على إقرار حياة ديموقراطية قائمة على التعددية الحزبية، والتداول السلمي للسلطة، وحتى لا نكون أمام جمعيات أو كيانات تمارس دوراً سياسياً، من دون أن تكون لها عقيدة سياسية.
وأوضح أبو شقة أن «الديموقراطية لا تتم إلا بتعددية حزبية حقيقية، وبيت الأمة سيحتضن كافة اجتماعات القوى السياسية، حتى تصدر وثيقة وطنية توافقية، لتضع الكرة في ملعب الأحزاب السياسية، التي توجد أمامها فرصة ذهبية لتحقيق الديموقراطية»، لافتاً إلى أنّ هذه الفرصة «إذا ضاعت، فسنكون نحن من أضاعها، لأن الديموقراطية ليست رفاهية، بل الحصن الذي يحمي الحاكم قبل المحكوم، وكم من دول ضاعت بسبب غياب الديموقراطية».
أبو شقة كشف، في تصريحات خصّ بها «الأخبار»، عن أن «حزب الوفد» يعمل على تجهيز ثلاثة مرشحين لانتخابات الرئاسة المقبلة في عام 2022، ليكون الحزب جاهزاً للدفع بواحد من بينهم للمنافسة.
يوم الثلاثاء الماضي، عُقد الاجتماع الثاني، الذي صاحبه إعلان أبو شقة تشكيل لجنة ثلاثية، مهمتها تلقي طلبات انضمام الأحزاب السياسية للجنة التنسيقية المكلفة بإعداد الوثيقة الوطنية للأحزاب، على أن يعقب ذلك اجتماع ثالث يوم غد الثلاثاء، للإعلان عن التشكيل النهائي للجنة وبدء العمل مباشرة.

يبدو أن «الوفد» عازم، وبدعم حكومي، على القيام بدور سياسي فعال


وأوضح أبو شقة أن تشكيل اللجنة سيكون من خلال 21 حزباً، مقسمة إلى 10 أحزاب ممثلة في البرلمان، و10 أخرى من خارج مجلس النواب، إلى جانب «حزب الوفد»، منسقاً عاماً، مشيراً إلى وجود مقترح بإضافة سبعة أحزاب أخرى في تشكيل اللجنة، بحيث تتكون من 27 حزباً، إضافة إلى الخبراء القانونيين الذين يشاركون بآرائهم في هذه اللجان.
سيد عبد العال، رئيس «حزب التجمع»، قال إن «الوفد هو بيت الأمة وليس مجرد حزب»، لافتاً إلى أن الهدف من اجتماع الاحزاب هو تشكيل مجموعة عمل لوضع وثيقة للتوافق عليها بعد مناقشتها ومن ثم إطلاقها، ومشدداً على أن الدولة في مصر في حاجة إلى دعم الحياة السياسية.
اختبار صعب تعرض له «حزب الوفد» في ظل جهوده الحثيثة لتصدر المشهد السياسي في مصر، في ظل حالة الفراغ السياسي العام، إذ وجد نفسه أمام إعلان المهندس حسام الخولي، نائب رئيس الحزب، استقالته من منصبه، تمهيداً لانضمامه إلى حزب «مستقبل وطن»، في حين أعلن الرئيس السابق للحزب الدكتور السيد البدوي استقالته أيضاً من عضوية المجلس الاستشاري.
الخولي أكد أن استقالته من «الوفد» نهائية لا رجعة فيها، موضحاً أن الحزب لجأ إلى اتخاذ قرارات منفردة من دون استشارة أحد، ووصل الأمر في اجتماع الهيئة العليا للحزب، الذي انعقد منذ أسبوعين، إلى تهديد أحد رؤساء اللجان بحلّ لجنته على غير ما عهدناه في «حزب الوفد» على مدار تاريخه.
أبو شقة بادر إلى قبول استقالة الخولي قائلاً إن «كل من يتقدم باستقالته سيتم قبولها، ولكن لا نية مطلقاً لقبول طلب العدول عن الاستقالة».
غياب أحزاب مهمة على الساحة السياسية مثل «مستقبل وطن»، و«المصريين الأحرار» عن اجتماع «حزب الوفد»، أثار العديد من التساؤلات، خصوصاً في ظل السباق المحموم لضمّ أعضاء الأحزاب المستقيلين، وبخاصة «الوفديين»، إلى هذه الأحزاب الجديدة.
«حزب المصريين الأحرار» الذي ينقسم إلى جبهتين الأولى بقيادة مؤسسه نجيب ساويرس، والثانية بقيادة عصام خليل، عبّر عن عدم حماسته لدعوة «الوفد»، ولم يأخذها بجدية، إذ قال أعضاء في هيئته العليا للصحافيين إن «المصريين الأحرار» يرى نفسه ممثل الليبرالية السياسية الحقيقية، ولم يتخل يوماً عن مبادئ الليبرالية والديموقراطية، ولا يرحّب بالاندماج مع أحد.
المياه الراكدة التي حرّكها «الوفد» صاحبتها ضجة كبيرة عقب انضمام العميد محمد سمير المتحدث العسكري الأسبق للقوات المسلحة إلى صفوف الحزب، وتعيينه في اليوم ذاته مساعداً لرئيس الحزب لشؤون الشباب والتثقيف.
المتحدث الرسمي باسم «الوفد» ياسر الهضيبي حاول تهدئة هذه الضجة، إذ قال إن العميد محمد سمير «طلب الانضمام إلى الحزب فوافق رئيس الحزب وقرر تعيينه مساعداً له، ولا توجد أي إشكالية في ذلك».
الأخبار الواردة من «بيت الأمة» لم تتوقف، حيث أصدر رئيس «حزب الوفد» قراراً بتعيين الدكتورة منال العبسي، الأمينة العامة للمرأة في الحملة الرسمية الانتخابية للرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيسة للجنة المرأة ومساعدة لرئيس الحزب لشؤون المرأة.
ياسر الهضيبي عاد وأكد لـ«الأخبار»، في ساعة متأخرة من ليل الثلاثاء الماضي، أنه في ما يخص إعداد الوثيقة الوطنية، سيتم تشكيل لجنة تضم ثمانية أعضاء من الأحزاب المجتمعة بالإضافة إلى ثلاثة أساتذة في القانون الدستوري من الجامعات المصرية، موضحاً أن «حزب الوفد» خاطب الأحزاب بشكل رسمي من خلال الأمانة العامة، وقد حضر 80 منها، تلبية لدعوة تشكيل تنسيقية، وليس اندماج الأحزاب بعضها مع بعض كما أشيع على عكس الحقيقة.
الدكتورة كمال أبو سكين، أستاذة العلوم السياسية، والباحثة في شؤون الأحزاب، أوضحت لـ«الأخبار» أن الاندماجات الحزبية لم تشهد نجاحاً أو فاعلية خلال الفترة الماضية، بل على العكس، فإنها أنتجت خلافات وانشقاقات، موضحة أن الأفضل هو التنسيق.
وأضافت أبو سكين أن اجتماعات الأحزاب التي دعا إليها «الوفد» تتوافر لها عدة عوامل للنجاح، أبرزها التوقيت المناسب عقب دعوة الرئيس السيسي مباشرة، باعتبارها إشارة إلى الجدية، بالإضافة إلى الإشارة للتداول السلمي للسلطة، وهو ما يسعى إليه الجميع، مع وجود خطوات للتنسيق بين الأحزاب لكي تتحرك على الأرض وتملأ الفراغ السياسي الكبير في الساحة.
وطالبت حنان الأحزاب المتشاورة بأن تحدد بدقة مهمات اللجان واختصاصاتها، ونقاط التكامل مع توفير تكافؤ فرص في تشكيل الهيئة التنسيقية، مؤكدة أن مسألة توفير مصادر إنفاق للأحزاب يجب أن تكون على أولويات النقاش، لأن ذلك يعدّ أكبر عائق أمام العمل الحزبي، مقترحة إعفاء مقارّها من الضرائب على سبيل المثال.
تأتي تحركات الوفد في وقت تعاني فيه السياسة المصرية من حالة موت تام، إذ إن التيارات النشطة التي كانت موجودة قبل «ثورة 25 يناير»، وأبرزها «حركة كفاية» و«الجمعية الوطنية للتغيير» و«حركة 6 أبريل»، لم تعد موجودة على الساحة، بالإضافة إلى تراجع «أحزاب الثورة» الممثلة في «الدستور» و«المصري الديموقراطي الاجتماعي» و«العدل» و«مصر القوية»، بالإضافة إلى انهيار جماعة «الإخوان المسلمين» وذراعها السياسية «حزب الحرية والعدل» بعد 30 حزيران عام 2013.
ويبدو أن «حزب الوفد» عازم وبدعم حكومي على القيام بدور فعال في قيادة دفة الحياة السياسية، لا سيما أن رئيسه بهاء أبو شقة، وأعضاء الهيئة العليا، يدعمون الرئيس عبد الفتاح السيسي بكل قوة، ويؤيدون كافة القرارات الاقتصادية والسياسية التي يتم اتخاذها بشكل مستمر. ليس هذا فحسب، فإعلان أبو شقة عن تجهيز مرشح وفدي لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2022 يفتح الباب واسعاً أمام التكهنات حول تعديل الدستور للسماح للسيسي بالترشح مجدداً في عام 2022، وهو ما طالب به عدد من السياسيين والإعلاميين المقرّبين من النظام عقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية، وذلك لتفادي المأزق السياسي الحاد الذي أدى إلى الدفع بمرشح «حزب الغد» موسى مصطفى موسى في الانتخابات الرئاسية أمام السيسي قبل إغلاق باب الترشح بدقائق معدودة.