تونس | بعد أقلّ من عام على حادث اصطدام مركب للجيش التونسيّ بقارب «حراقة» (من يهاجرون بصورة غير شرعية) أدى إلى مقتل حوالى 40 منهم، تكرّرت الفاجعة مرّة أخرى. وعلى غرار حادثة العام الماضي، خرج قارب الهجرة هذه المرّة أيضاً من قرقنة، التي تقول الجهات الرسميّة إنّها تعاني من «نقص في الحضور الأمنيّ» منذ نهاية الاحتجاجات الاجتماعيّة التي هزّت الجزيرة قبل عامين، وأدّت إلى صدامات عنيفة مع أجهزة الأمن التي انسحب أغلبها لتهدئة الأوضاع.

وفي حين استفحلت ظاهرة الهجرة غير النظاميّة في الأعوام الماضية على امتداد المتوسّط، وشملت لاجئين من دول المشرق، يختلف الأمر في تونس باعتبار أنّ المسألة تحظى بطابع أكثر محليّة. وعلى رغم خفوت موجات المهاجرين بعد عام 2011 الذي شهد وصول أكثر من عشرين ألف مهاجر تونسيّ إلى السواحل الإيطاليّة في ظرف بضعة أسابيع، عادت التدفقات في الارتفاع مرّة أخرى انطلاقاً من العام الماضي.

تفكيك الظاهرة: كم، ومن؟
لم تظهر «الحرقة» في تونس سوى في التسعينات، بعد فرض بلدان الاتحاد الأوروبيّ تدريجاً تأشيرات على التونسيّين. وتظهر الأرقام الرسميّة ضخامة حجم الظاهرة، حيث جاء في دراسة أجراها «المعهد التونسيّ للدراسات الاستراتيجيّة» العام الماضي، أنّ محاولات اجتياز الحدود مع أوروبا، بين عامي 1998 و2003، شملت حوالى 38 ألف شخص أغلبهم تونسيّون.
لكن محاولات اجتياز الحدود بطريقة غير منظمّة بلغت ذروتها عام 2011، فبمجرّد انتشار خبر هرب بن علي ارتخت قبضة الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة، خصوصاً من جهة الحدود البحريّة. وتشير الأرقام الإيطاليّة الرسميّة إلى وصول أكثر من 26 ألف مهاجر، وتقول السّلطات التونسيّة إنّها أوقفت حوالى 7 آلاف «حرّاق».
في الأعوام اللاحقة، خفّت التدفقات من جهة البحر، وبرزت من ناحية أخرى محاولات هجرة بطريقة غير منظمة عبر الموانئ البحريّة وباستخدام وثائق مزوّرة. العام الماضي، ارتفعت التدفقات مرّة أخرى، حيث سُجّل وصول حوالى 5 آلاف مهاجر إلى إيطاليا، وأوقفت الجهات التونسيّة حوالى 2500 مهاجر.

خلال هذا العام، سُجّل حتى الآن عبور حوالى 6 آلاف مهاجر


هذا العام، تبدو الأرقام أكبر، حيث سُجّل حتى الآن حوالى 6 آلاف مهاجر، لكنّ الأرقام لا تعني شيئاً من دون سياق. فمن ناحية، لا يمثّل هؤلاء المهاجرون سوى الأشخاص الذين تُقصيهم هياكل الهجرة الرسميّة، حيث يهاجر كلّ عام عشرات الآلاف إلى أوروبا بطرق منظمة، فيما يبقى هؤلاء على خارج أسوار نظام تأشيرات الدخول وعقود العمل المنظّمة.
تظهر الصور والحوارات التي أجريت مع المهاجرين «غير الشرعيّين» عبر السنوات الماضية تحدّرهم من مناطق مُفقرة وبيئات اجتماعيّة تفتقد رساميل وشبكات انتفاع اجتماعيّ، سوى شبكات الهجرة غير النظامية المنتشرة في الأحياء الشعبيّة والأرياف. هؤلاء لا أحد يرغب فيهم عمليّاً، نساؤهم يعملن في الحقول الزراعية أو المصانع بأقلّ من الأجر الأدنى القانونيّ، فيما تشهد موجة الهجرة الحاليّة تكثّف حضور النساء عما كان يلاحظ سابقاً. أما الرجال، الذين يمثّلون السواد الأعظم من «الحراقّة»، فهم زائدون عن حاجة سوق العمل، ويشمل ذلك أجزاءً ممن نجح منهم في الدخول إلى الجامعات، وقد صار اعتياديّاً الآن رؤية صور شهادات جامعيّة ملفوفة في أكياس بلاستيكيّة ضمن ما تحجزه الأجهزة الأمنيّة عند ضبط عمليّات «حرقة».

هل من حلّ؟
«تحب تموت، البحر تسنّم يلي ماشي للطليان/ آني حارق يمّا لا تلومي وليدك، يزّيني (يكفيني) ما ذقت الحرمان»؛ هذه الكلمات جزء من أغنيّة كتبها الفنان الشعبيّ طارق لغزولي عام 2011، وهو أحد ضحايا عمليّة الهجرة الأخيرة، وتعكس بشكل واضح وعيه باحتمال موته في مسعاه للوصول إلى أوروبا. لكنّ الأهم هو كشفها أصل المشكل. أراد طارق أن يكون في بيئة توفّر له ظروف عيش أحسن. يعلم الجميع في تونس أنّ المشكل اجتماعيّ، قبل حصول حادثة الغرق وبعدها، ولن يغيّر اعتبارها «فاجعة وطنيّة»، وفق عبارة رئيس الحكومة يوسف الشاهد، شيئاً في المستقبل، وسيسعى الرجل إلى لملمة المسألة والحدّ من ارتداداتها السياسيّة حتى يحين موعد «الفاجعة» التالية.
من الضفة المقابلة، ستعبّر أوروبا عن أسفها، وتصرّح بأنّها ستنظّم الهجرة بوضع برامج «للغرض»، لن تخرج طبعاً عن دائرة تلك القائمة حاليّاً، أي وضع برنامج لاستقدام 150 عاملاً في القطاع الزراعي، ويُسوّق سياسيّاً كإنجاز عظيم. مع ذلك، سيذهب مبلغ أكبر في ناحية أخرى، إذ سيمنّ الاتحاد الأوروبيّ على تونس ببعض الزوارق والمناظير الليليّة حتى تحمي حدودها.
عملت تونس في العقود الأخيرة كحارس جيّد لـ«شريكها» الأوروبيّ، وهي تلعب إلى اليوم دورها باقتدار، لكن «الجيران» ما زالوا غير راضين. أوّل من أمس، وأثناء زيارته إلى جزيرة صقليّة، صرّح ماتيو سلفيني، وزير الداخليّة الإيطاليّ الجديد، قائلاً: «تونس، البلد الحرّ والديموقراطيّ لا يرسل إلى إيطاليا أشخاصاً شرفاء، بل يرسل في أغلب الأحيان وبصفة إراديّة مساجين سابقين».
لكن «المساجين السابقين» ليسوا الوحيدين الذين تتردّد أوروبا في استقبالهم: تجري هذه الأيام جلسة تفاوض جديدة بين الاتحاد الأوروبيّ وتونس حول «اتفاق التبادل الحرّ الشامل والمعمّق» الذي يريد أصحاب الضفّة الشماليّة توقيعه العام المقبل، فيما آمال الجانب التونسيّ لم تكن مرتفعة أصلاً، إذ طُلب السماح للمهنيّين والمستثمرين بدخول أوروبا من دون قيود، لكن الجانب المقابل متردّد، وسينتهي الأمر على الأغلب بتعهدات من قبيل «العمل على تخفيف القيود على تأشيرات الدخول» لهذه الفئات التي لا تحتاج أصلاً إلى مجهود كبير لتحصل على «فيزا».
الأمر كان واضحاً وصار أوضح: «أوروبا تريد خيراتنا، وتريد منا من يخدم مصالحها، أما ضحايا هيمنتها هي والأنظمة ـــ الدمى التي حكمتنا لعقود، فأولئك يمكن اختصارهم في أنهّم قلق على حضارتها... والبحر إذاً أولى بهم!»، وفق ما قال أحدهم.