يصرّ مُشعلو الأزمة الخليجية، الرياض وأبو ظبي، على ترداد أن «قضية قطر صغيرة جداً». قد يصح ذلك إن كانت السرديات الإعلامية المقدمة، من قطر وخصومها على السواء، كافية لتفسير ما جرى ويجري منذ عام حتى الآن. فالتغطية الإعلامية الخليجية، على الضفتين، تتلهى باحتساب من الأكثر تضرراً من المقاطعة اقتصادياً، ومن هو متورط في دعم هذا التنظيم المتشدد أو ذاك، أو مَن شركة طيرانه لا تزال تعمل أفضل من منافستها. ولو أن الأسباب التي يطلع عليها الرأي العام كافية لإقناع الجميع بمنطقية الصراع، لكانت مصر ما بعد محمد مرسي، وحدها، معنية بالحملة. فالواقع الذي تعايشت معه الإمارات والسعودية والبحرين، وانبنت على ضفافه تحالفات سياسية وعسكرية، لا يشي بأن جديداً استجد، ليبنى عليه رد فعل بهذا الحجم.

ذلك ما اضطر أصحاب القرار، ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد وحليفه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، إلى ابتكار فتيل للصراع، فكان اختراق وكالة «قنا» وفبركة خطاب أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني. لكن في كل الأحوال الأزمة ليست «كذبة»، بل حرب فعلية اكتملت عناصرها، وفق رؤية «المحمدين»، المبادرَين إلى إشعالها، وأريد أن يجري إخراجها بأكبر ضجة إعلامية متوافرة. والعناصر الموجبة للصراع، من منظار مقاطِعي قطر، كثيرة ومجتمعة قبل القرار بمرحلة بعيدة، لكن التوقيت حددته ظروف دولية وإقليمية، أبرزها الخطاب الجديد للإدارة الأميركية الحالية، وتطورات الإقليم حيث آلت رياح «الربيع العربي» إلى الأفول، وأغلق الباب على مرحلة «التغيير» في المنطقة.
يومها، التقط «المحمدان» إشارة تقول إن الظروف مواتية لإرساء معادلات مناسبة في الإقليم، تقطع الطريق على أي منافس لتحالفهما، والاستفراد بالزعامة الإقليمية. زعامة لا بد لتثبيت دعائمها، على أنقاض مشروع «الربيع العربي»، من إقصاء من يشكل تهديداً لتفردها بقرار المنطقة، وبالوكالة الأميركية للهيمنة. وعلى رأس هؤلاء تنظيم «الإخوان المسلمين» وتركيا، فضلاً عن قطر، اللاعبة دور الرافعة المالية والإعلامية والحاضنة للتيارات المنبثقة عن التنظيم. بعد قمة دونالد ترامب في الرياض، بات خطاب «المحمدين» أكثر وضوحاً لقول ما يريدانه للمنطقة. استغل الحليفان معاداة ترامب وفريقه لـ«الإخوان»، والتيارات الإسلامية عموماً، وغسلا أيديهما من دعم الإرهاب في العراق وسوريا، ملقيين بالمسؤولية على الشماعة القطرية، وذلك بهدف عرقلة أي شراكة للدوحة في كعكة الوكالة الأميركية.

ظلّت الرياض وأبو ظبي تشاهدان تمرّد الدوحة على زعامتهما


استعادة كل ذلك خلفية ضرورية لتفسير استمرار الأزمة حتى اليوم، وتفسير لماذا لا فرصة للحديث عن مخرج قريب للصراع. فطالما ظلت أبو ظبي والرياض تشاهدان «تمرد» الدوحة على زعامتهما، ومضيها في التنسيق مع الأتراك، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ومنح أنقرة موطئ قدم في عقر الدار الخليجي، وكذلك تمتين العلاقة القطرية بالولايات المتحدة بشكلها المستقل عن القرار السعودي ــ الإماراتي، فلا مجال للحديث عن أفق قريب لحل الأزمة. لن يرضى «المحمدان» بنموذج أقل من نموذج البحرين في الخضوع والتبعية. «حسن حظ» القطريين، أو «سوء طالع» الجيران الخليجيين، أن ما تتمتع به إمارتهم من ثروة غازية، يجعلها في موقع أقدر على تحمّل الضغوط من شقيقتها المنامة.
تجربة العام من تفعيل الصراع على ما يسمى «الزعامة السنية» في العالم الإسلامي تقول إن الحرب التي أشعلها «المحمدان» لا تمضي وفق ما اشتهت سفينتهما. الدليل على ذلك عدم القدرة على حسم الولاءات في اليمن، والتراجع الإماراتي في الصومال، وعدم إخضاع كلّ من الكويت وسلطنة عمان بسياسة «البلطجة»، وعدم القدرة على الحد من النفوذ التركي في السودان والقرن الأفريقي، وعدم حسم المعركة في ليبيا. جملة ملفات أثبتت أن قطر ليست وحدها من يقف في الجبهة المستهدفة، وأن المعركة لا تزال في البداية.
التصلب الخليجي أمام المبادرات الفاشلة، ودفاتر الشروط المكدسة على طاولة الرباعي المقاطع لقطر، في موازاة إرهاصات صدام مع تركيا تلوح في الأفق ويعبر عنه الإماراتيون في مواقفهم بصورة أوضح من شريكهم السعودي، كل ذلك يؤكد أن لا شيء في الأفق سوى استمرار المعركة مع احتمال توسعها أكثر فأكثر. ومع صعوبة تحقيق أهداف التحالف السعودي ــ الإماراتي، لا تزال حيثيات المواجهة لصالح الرياض وأبو ظبي، لا سيما على صعيد التوجه الأميركي المناهض لكل التيارات الدينية في الشرق الأوسط، المعتدلة منها والمتشددة. ولا تزال الإمارات الأكثر استفادة من الأزمة، لإبعاد قطر من المنافسة، حيث إن الدوحة تدرك صعوبة منافسة الرياض، لكنها تصرّ على أحقيّتها في لعب دور إقليمي مكان أبو ظبي التي لا تفوقها إمكانيات لوجستية. ومع ذلك، لدى فريق ابن سلمان إيمان بأن المصلحة الراهنة تكمن في السير إلى جانب الإماراتيين والاحتذاء بنموذجهم الأكثر قبولاً أميركياً. يسجل هنا، أيضاً، فشل إماراتي في إقناع الأميركيين بالتخلي عن دعم الدوحة والاعتماد عليها، ويتجلى ذلك في عدم أخذ واشنطن بعد بنصائح نقل قاعدة العديد العسكرية من الأراضي القطرية.