اختبارٌ عسير مرّت به قطر (ولا تزال) خلال الاثني عشر شهراً الماضية، بعد فرض جيرانها (السعودية والإمارات والبحرين ومعها مصر) مقاطعةً متعددة الأوجه عليها. اختبارٌ يمكن القول إن الدوحة أظهرت في خضمّه أداءً أكثر تقدماً مما كان متوقعاً منها، إلا أن ذلك لا يعني أنها استطاعت حسم النزاع لصالحها. هو إذاً تقدمٌ بالنقاط يُحسَب للقطريين، في قبالة خسارات متفرقة لصالح معسكر المقاطعة. تأسيساً على هذه النتيجة، تبدو «إمارة الغاز» اليوم أمام جملة تحديات يتعيّن عليها مواجهتها حتى تستطيع الخروج من المربع الذي ما فتئت تراوح فيه منذ اندلاع الأزمة.

في التكتيكات الفاشلة التي انتهجتها قطر ضمن خطة التعامل مع الأزمة يمكن إيراد معطيَين رئيسين: أولهما أن الدوحة أخفقت في دقّ الأسافين بين كل من الرياض وأبو ظبي، بعدما بدا لها أن باستطاعتها فصل السعودية عن الإمارات وتليين موقف الأولى منها. تأخّر القطريون، على ما ظهر، في استيعاب حجم التغييرات التي شهدتها السعودية أخيراً، وأظهروا تمسكاً أشبه بالـ«نوستالجيا» بحقبة الملك عبد الله التي كان يسودها شيء من التعقل والتروي. لكن مسار الأحداث بيّن أن في ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، من «النزق» ما لم يكن متصوراً، وأنه يتخذ من سياسات ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، هادياً له. من هنا، كانت المحاولات القطرية لفصل المسارَين الإماراتي والسعودي تحت عناوين شتى أشبه ما تكون بالرسم على الماء.
في ثاني المعطيين المشار إليهما، يبرز فشل الدوحة في إبقاء الأزمة حية سياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً، مقابل نجاح السعودية والإمارات في مواراتها في الكثير من المحافل، وتصويرها (خلافاً لما هي واقعاً في سياساتهما) «أزمة صغيرة جداً». هذا الاختلال الذي لم تتمكن قطر إلى الآن من تجاوزه، يبدو عاملاً مؤرقاً بالنسبة إليها؛ بالنظر إلى أن تمويت الخلاف من شأنه تكريس المقاطعة إلى أجل غير مسمى، وتشديد القيود على قدرة الدوحة على أداء دور أبعد من حدودها. وانطلاقاً من ذلك، تأتي المساعي القطرية المتجددة لتحريك مياه الخليج الراكدة، والتي كانت آخرها رسالة خطية من أمير قطر تميم بن حمد، إلى أمير الكويت صباح الأحمد الصباح، أبدى فيها الأول استعداده لحضور أي اجتماع يدعو إليه الأخير بشأن الأزمة، بحسب ما تداولته بعض وسائل الإعلام الكويتية.

تخشى قطر تكريس المقاطعة إلى أجل غير مسمى


في هذا الإطار، يُسجّل للدوحة، وها هنا أولى النقاط التي تُحسَب لصالحها، أنها استطاعت كسب الكويت بشكل غير معلن إلى صفّها، عبر رفض الكويتيين الانجرار خلف الحملة السعودية ــ الإماراتية ضد قطر، ولو حتى على المستوى الإعلامي. والأمر نفسه ينسحب على سلطنة عمان التي سارعت إلى سدّ النقص الذي خلّفته المقاطعة في قطر، عن طريق عدة خطوات كان أبرزها فتح خطين ملاحيين جديدين بين البلدين. هذه الخطوات عزّزت نقاط الالتقاء بين الدول الثلاث، وجعلت «مجلس التعاون الخليجي» يبدو وكأنه مقسوم بين تكتلين: أحدهما سعودي ــ إماراتي ــ بحريني، والآخر قطري ــ كويتي ــ عماني. وهو انقسام لا يفتأ الوقت يعزّزه على الرغم من إنشائيات «الأخوة الخليجية» التي يظهر الكويتيون الأكثر تمسّكاً بها، وعلى الرغم كذلك من التشديد الأميركي المتكرر على ضرورة استعادة الوحدة بين «الأشقاء».
تشديد لم يخرج حتى اليوم من حدود الفعل الكلامي، في سياسة أميركية تبدو مقصودة للاستثمار في الخلاف بأكبر قدر مستطاع. صحيح أن قطر استطاعت، عبر إنفاقها أموالاً ضخمة على حملات العلاقات العامة داخل الولايات المتحدة وإغرائها الرئيس الأميركي باستثمارات وصفقات مليونية، تغيير موقف إدارة دونالد ترامب من الأزمة، وحملها على تحصين الدوحة من أي هجوم يتجاوز حدود المقاطعة (وهذه هي ثانية نقاط التقدم القطري)، إلا أن الإدارة الأميركية لا تزال على تمهّلها في بذل أي جهد سياسي أو دبلوماسي حقيقي من أجل إنهاء الخلاف، عامِلةً في الوقت نفسه على الاستفادة من الهواجس والمخاوف المتبادلة بين الطرفين في تصريف أسلحتها إلى منطقة الخليج. استراتيجية لا يُعلم إلى أيّ مدى تستطيع الولايات المتحدة المضيّ فيها، خصوصاً إذا ما تراءى لها أن مهمة محاربة «النفوذ الإيراني» تتطلّب موقفاً أكثر حزماً من قبل «الشركاء» الذين لا يبدون على المستوى نفسه من التحمّس لمواجهة إيران.
أول من أمس، أكد وزير الدفاع القطري، خالد العطية، أن بلاده لن تنجرّ إلى أي نزاع مع إيران، لكنه تهرّب من إجابة عن سؤال حول إمكانية استخدام قاعدة العديد في أي نزاع من هذا النوع بقوله إن قطر «ليست مُحِبّة للحرب». إجابة تجلّي حالة «اللايقين» التي تعيشها الدوحة راهناً، وكذلك حرصها الدائم على كسب ودّ الولايات المتحدة على الرغم ممّا شهدته علاقاتها بطهران، أخيراً، من ازدهار ملحوظ، ضمن جملة خيارات لجأ إليها القطريون بعد فرض المقاطعة عليهم. وهي خيارات تُعدّ نقطة قوة إضافية لصالح الإمارة، إلا أن غلبة طابع المناورة عليها، واندراجها في إطار مرحلة انتقالية تمرّ بها قطر، يجعلانها محكومةً بما ستؤول إليه «الاستراتيجية الجديدة» للولايات المتحدة، ومدى الانخراط القطري (ومن بعده الكويتي ــ العماني) فيها.