أن يعود الآلاف إلى الشوارع في الأردن، قد يبدو ذلك للوهلة الأولى عرضاً لفيلم مشوّق، ولكن للمرة الثانية، أو أن الربيع العربي الذي انكشف خريفاً على العرب يطل برأسه مرة أخرى، ليُخضع البلد «الناجي» للنتائج الكارثية بنسختها الليبية والسورية. يمكن أن يكون هذا التحليل مبرراً بعد صدمة المثقفين والنخب بتحليلاتهم الخائبة، الواحدة تلو الأخرى في ما يتعلق بتطورات المشهد العربي، ومن الممكن أن يكون مبرراً بعد قلق الناس من أي تحرك باعتباره مقدمة المقابر الجماعية وارتياد مراكب الموت وانكشاف المؤامرات على الدول، ولكن الوضع في الأردن قد يكون مختلفاً، أو بالأحرى مركباً مما عرفناه في حقبة الربيع العربي من مشاريع الغرب في تفكيك دول الشرق، ومن الاشكاليات الداخلية العميقة التي تعاني منها الأنظمة التابعة، وهو مركّب في الحالة الأردنية؛ لأن المراقب العادي لا يجد مبرراً لتفكيك الدولة الأردنية من قبل الغرب، نظراً للعلاقات الاستراتيجية التي لم تخذلها السلطة في الأردن مسبقاً قطّ.

من يتظاهر؟ لماذا يتظاهر؟ متى بدأ التظاهر في ظل ظروف الخوف وكيف؟ ما الفرق بين ما يجري الآن وما جرى عام 2011؟ من هو فريق البنك الدولي وصندوق النقد في الأردن؟ هل هو النظام بأكمله أم تيار داخله؟ ما علاقة صفقة القرن في كل ما يجري؟ هل صفقة القرن تتطلب تصفية الأردن كدولة أم تتطلب خلق حالة قبول شعبي لها؟ أسئلة معقولة تطرق أذهان المتابعين لما يجري في الأردن.

شرارة أولى، ودعوة آمنة
عندما قدّمت حكومة هاني الملقي مشروع قانون ضريبة الدخل؛ كانت البنود واضحة بما تنطوي عليه من تهديد لأوضاع الطبقة الوسطى العاملة في شركات القطاع الخاص؛ والبنوك وشركات التأمين وغيرها.
الطبقة الوسطى نفسها التي خرجت في مناخات الربيع العربي بمطالبات سياسية خالصة عام 2011، ورفعت شعارات تغيير بنود الدستور، وتغيير قانون الانتخاب وإعادة شكل التمثيل البرلماني، هي ذاتها التي تحركت بعد إصدار قانون الضريبة، لكن ضمن شروط وظروف مختلفة؛ فهي تتحرك الآن ضمن ظروف تهديد مصالحها وأوضاعها المعيشية، فتجاوزت ضمنياً إشكالية عام 2011 التي انحصرت في المطالبات السياسية التي كانت مادة خصبة للاستقطابات الإقليمية، ولم تشكل شعاراً جامعاً لجميع المتظاهرين.
ولأن الدعوة جاءت من النقابات؛ مثلت للناس دعوة مهنية غير مصبوغة بطابع سياسي فاقع، فمنحتهم الشعور بالأمان في التظاهر، ولأن القانون أضر برؤوس الأموال التي تحاول هي الأخرى الدفاع عن مصالحها، مُنح الموظفون تسهيلات للحركة في مواجهة القانون.
في ظل كل ذلك، بدأ عدد من الجهات الدعوة لمقاطعة التحرك ضد القانون بوصفه لا يستهدف الفئات الفقيرة، وبذلك شكّلت هذه الدعوات عامل إبعاد – في المرحلة الأولى - للحركات العمالية التقليدية من الفنيين والحرفيين وأصحاب الدخول المنخفضة والعاطلين من العمل. في الجانب الآخر، حاولت الجهات الداعمة للإضراب توضيح آثار مشروع القانون على الأسعار ونسب النمو، الأمر الذي يعني أن ما تجنّبه الفقراء من بنود القانون سوف يطاولهم في السوق.

شرارة ثانية، وانضمام فئات مستثناة
في اليوم التالي للإضراب، جاء رد الحكومة التي يترأسها الملقي بقرار رفع أسعار المحروقات، الأمر الذي أسقط تماماً دعاية استثناء الطبقة الفقيرة من القرارات، أية قرارات، لم يعد ذلك مهماً في تلك اللحظة، وظهرت الحالة كأن الدولة تتحدى جميع الفئات في حزمة واحدة، فكانت لحظة التقاطعات العفوية، والتي بعدها لم يعد مهماً التراجع عن قرار رفع أسعار المحروقات من عدمه.
هذا التنوع في القرارات، في وقت واحد، جعل من فكرة الانتقائية في التعامل معها مسألة غير ممكنة، فكانت النتيجة الهتاف ضد السياسات الاقتصادية، والنهج الاقتصادي برمته. نَهَم السلطة في إصدار القرارات «المتخصصة» في وقت واحد، حوّل مطالب الناس إلى مطالب عامة وشاملة.
تحت مظلة المطالب الشاملة هذه، بات من الممكن أيضاً انضمام فئات جديدة للتحرك. كانت النسبة الأكبر من المشاركين من الشباب العشرينيين الذين تعرضوا أثناء دراستهم الجامعية لبرامج كثيرة دعمتها «منظمات المجتمع المدني» تدعو للمبادرات الاقتصادية الفردية، وآليات بناء المشروع الخاص بدلاً من التوظيف؛ وبعد أن تخرج هؤلاء الشبان، لم يؤسسوا مشاريع خاصة لأنها تحتاج لرأس مال وتكاليف تشغيل، ولم يعثروا على وظائف في سوق تنكمش، فكان البديل الموضوعي لذلك كله هو الدوار الرابع.
قد يكون التركيز على نسبة بطالة 18.5 في المئة ليس المسألة الأهم، وإنما نسب الفئات العمرية والتوزيع الجغرافي، فبحسب تقارير دائرة الإحصاءات العامة وصلت نسبة البطالة إلى 37 في المئة بين صفوف 15-24 سنة، ومن حاملي البكالوريوس 23 في المئة ، تنال المحافظات الحصة الأعلى منها. يفسر ذلك أن تكون الاحتجاجات فتية، وأن يأتي رد الفعل القوي من المحافظات.

البنك الدولي، صندوق النقد، الاقتصاد والسياسة
بعد هبّة نيسان عام 1989، تبنّى الأردن برنامج التكيف الهيكلي الذي اعتمد أساساً على انسحاب الدولة من كافة أشكال الدعم للسلع والخدمات الأساسية، والأهم انسحابها من المشاريع الاقتصادية الكبرى في الفوسفات والبوتاس والنقل والاتصالات وغيرها. وقد أُنجز من برنامج الخصخصة الحصة الأكبر عام 1996، الأمر الذي حصر الدولة في خانة الاعتماد الكامل على الضرائب، وبالتحديد ضريبة المبيعات التي تتساوى في دفعها كل الدخول، وأبقى الدولة معتمدة على القروض من المؤسسات المالية، ودول الخليج، وحوالات العاملين فيه.
تكوّن بشكل تدريجي فريقان في نادي الحكم، الأول هو التيار البيروقراطي الذي بدأ يخسر مواقعه الحيوية، فتحوّل من موقع إدارة المشاريع الاقتصادية والاستفادة من عوائدها، والفساد وتشغيل الأقارب وغيره، إلى الاكتفاء بقبول العطاءات من موقع «الزبون»، وعقد صفقات فساد مع الشركات الخاصة المزودة، والعجز عن تأمين المزيد من الوظائف التي تقلصت وتراجعت دخولها بسبب وصفات الصندوق. الفريق الثاني هو الفريق «الليبرالي» الذي يمتلك خبرات أكاديمية وعملية أوسع في قطاع الأعمال والاستثمار وخصخصة المؤسسات، وهو الآخر تمكّن من تحقيق أرباحه عبر الفساد، وإدماج شركات تابعة له في مشاريع مع الدولة، وتأسيس هيئات مستقلة لعبت دوراً مماثلاً في الاعتياش على الدولة لما لعبته مؤسسات القطاع العام التقليدية سابقاً.
إذن وصل الأردن إلى ما وصلت إليه اليوم، مروراً بفريقين، ما زالا حاضرين في المشهد السياسي إلى يومنا هذا؛ التيار البيروقراطي الذي فقد موقعه في الدولة، وأصبح لاعباً أقل فعالية مع جولات الخصخصة، لم يعد بإمكانه أن يقدم الخدمات السابقة لأبناء العشائر ولا احتكار الهيمنة على الموارد المالية في الدولة. والتيار الليبرالي الصاعد الذي يمتلك كفاءات خصخصة السوق، ويجيد اللعب في ساحة الأعمال واستبدال المؤسسات التقليدية للدولة بالهيئات المستقلة، ذات الدخول الأعلى.
ليست التعديلات الاقتصادية وحدها غيّرت شروط الفريقين في الداخل، ولكن أيضاً الظروف السياسية، وأشكال التكيف المطلوبة من الأردن. كان الدور الذي لعبه الأردن سابقاً يقوم على أساس دولة القطاع العام، والكتلة البيروقراطية المتماسكة، المستندة إلى العشيرة؛ وفي ضيافة كل ذلك، يكون المكون الفلسطيني، الذي يُستبعد من القطاع العام في الدولة، وينشغل في القطاع الخاص والمهن الحرة الصغيرة، وبذلك يجري تفكيك برامجه السياسية، وتحال المخيمات من مواقع تثبيت القضية الفلسطينية إلى مواقع المهن الصغيرة، والممتعضة من استثنائها في القطاع العام. كانت تلك الحقبة التي توجت باتفاقية وادي عربة، تقوم على منع الاشتباك العميق مع الكيان الصهيوني، والاعتماد في ذلك على شكل الدولة البيروقراطي.
ومع التحولات الاقتصادية سابقة الذكر، ظهر الفريق الليبرالي الذي يمتلك خبرات لا يمتلكها بيروقراط القطاع العام، ويتوافق بشكل أكبر مع متطلبات سياسية مقبلة، فمطلوب من هذا الفريق الانتقال بالأردن من مرحلة الكيان البيروقراطي، إلى مرحلة الكيان المائع القابل للاندماج بمشروع أكبر «صفقة القرن».
ميوعة هذا الكيان تتطلب ثلاثة عوامل رئيسية، أولاً: الاستبدال الكامل للبيروقراط الذي فقد دوره، وما عادت هنالك مهمات إضافية يمكنه القيام بها، ثانياً: تكسير الملامح التقليدية لتماسك الدولة في أكثر من موقع (إظهار عجز الأمن في أحداث الكرك، تكريس حالات الاعتداء على أبناء العشائر الكبرى، انتشار الجرائم وعمليات السطو المكررة على البنوك، إلخ..). ثالثاً: تفكيك الفئات التي تشكّل المكون الرئيسي في مواجهة المشروع، وهي في الأردن الطبقة الوسطى، الجبهة الأمامية لمجابهة التطبيع. رابعاً: امتصاص ردود فعل الجهات المتضررة من المشروع، ومن ذلك العشائر في المحافظات.
خامساً: تعميم شعار المدنية في سياقات مواجهة شعارات المقاومة الإسلامية في الإقليم (حزب الله بالتحديد)، وتهيئة الأرضية للاندماج مع الكيان الصهيوني من بوابة شعار «المدنية». في ضوء كل ذلك قد لا يكون المطلوب في المرحلة المقبلة هو تفكيك الدولة الأردنية، بقدر ما هو إضعافها، وتغيير ملامح مؤسساتها بالكامل لتتوافق مع شروط الاندماج المقبلة.
لو فكرنا في خريطة تعبّر عن مواقع الأطراف المعنية بالاحتجاج، داخلياً وخارجياً، لكانت هي تماماً قصة سياسات نادي الحكم ووصفات الصندوق، سكان المحافظات خسروا الكثير من امتيازات القطاع العام، بعد أن فقد البيروقراط دوره، وتجاوزته المهمات المطلوبة، ليضطلع بها فريق أكثر تخصصاً وانسجاماً مع متطلبات صفقة القرن. صندوق النقد والبنك الدوليين يحاولان فرض المزيد من الأعباء، وذلك سيعمل على تفكيك الطبقة الوسطى، الواجهة الأمامية ضد الكيان الصهيوني، السعودية مستمرة في الضغط على الأردن للقبول، الولايات المتحدة تجد دور الأردن بات أقل أولوية من السابق، أعراض الأزمة الداخلية مستمرة على شاكلة احتجاجات شعبية طبقية.
مع كل هذا الحصار، من الواضح أن الانكشاف على الأحلاف «غير المقبولة» رسمياً، بات أمراً ملحاً، فالحلفاء التاريخيون مصرون على الاستمرار في توليد الأزمة الاقتصادية كي تنجح الخطة السياسية، ومع ذلك لن يفيد تبديل الرؤساء كثيراً، وإن كان سيرحل الأزمات من وقت إلى آخر. ستبقى أشباح أسئلة السياسة طاغية على تقنيات الاقتصاد الصغيرة!