تونس | غداة إعلان القيادي الإسلامي التونسي علي العريض استقالته من رئاسة الحكومة، أعلن قصر قرطاج رسمياً أمس تكليف مهدي جمعة تشكيل الحكومة الجديدة من قبل رئيس الجمهورية محمد المنصف المرزوقي.

وتوجه جمعة فور تكليفه بكلمة الى الشعب التونسي من قصر الرئاسة، أكد فيها أنه سيعمل على تقليص المدة المحددة بأسبوعين في خريطة الطريق لتشكيل الحكومة، معبّراً عن عزمه على تشكيلها في أقرب وقت ممكن.

وأوضح جمعة أن رؤيته الآن لتشكيل الحكومة بدأت تتوضح إثر عديد الاتصالات والمشاورات، مشدداً على أنه «ليس صاحب معجزات».
وأشاد رئيس الحكومة التونسية الجديد، بمجهودات كل من رئيس الحكومة المستقيل وجهود الرباعي الراعي للحوار ونواب المجلس الوطني التأسيسي ورئيسه مصطفى بن جعفر، للوصول إلى هذه المرحلة من مسار الانتقال الديموقراطي.
ويأتي تكليف جمعة في مناخ كبير من الاحتقان الاجتماعي والغضب الشعبي الذي طاول غالبية الجهات، حتى المعروفة بالولاء الكبير لحركة النهضة، مثل ما حصل في مدينة تطاوين جنوب شرق البلاد هذا الأسبوع من إحراق لمقر «النهضة».
لقد اضطر العريض في يوم استقالته إلى تعليق قرار رفع الضرائب الى حين اعادة النظر في ميزانية ٢٠١٤ التي اعترضت عليها معظم الأحزاب والمنظمات الوطنية، واضطرت حركة النهضة المهيمنة على الائتلاف الحاكم الى مساندة الاحتجاجات الشعبية ومطالبة الحكومة بسحب قانون المالية الجديد.
وفي الوقت الذي رأت فيه أحزاب المعارضة أن خروج العريض من قصر الحكومة في القصبة وتشكيل حكومة كفاءات من المستقلين مطلب شعبي وإجراء لا مهرب منه لإنقاذ البلاد من السقوط في العنف والفوضى والإفلاس، اعتبرت «النهضة» ان استقالة الحكومة لم تكن تحت الضغط الشعبي، بل كانت استجابة لتوافقات الحوار الوطني الذي التزمته الحركة.
وبالنسبة إلى رئيس الحكومة الجديد، المولود عام ١٩٦٢ في مدينة المهدية الساحلية ومتخرج المدرسة الوطنية للمهندسين في ١٩٨٨، فإنه سيواجه مجموعة من التحديات أبرزها الوضع الأمني والاقتصادي والاجتماعي.
عُرِف جمعة الذي التحق بحكومة العريض في آذار الماضي، بتعاطفه مع الإسلاميين عندما كان طالباً. وهو ينحدر من عائلة عريقة في مدينة المهدية؛ خاله وزير الخارجية القوي في عهد الزعيم الحبيب بورقيبة، محمد المصمودي مهندس اتفاقية الوحدة مع ليبيا المعروفة باتفاقية جربة في سنة ١٩٧٢، التي مثّلت النهاية السياسية للمصمودي عندما تراجع بورقيبة عنها.
وبصعود جمعة الى رئاسة الحكومة تستعيد جهة الساحل الحكم بعد أن أزيحت عنه بعد استقالة رئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي، اذ كان حكام تونس (الرئيس ورئيس الحكومة) ينحدرون من جهة الساحل منذ السبعينيات الى حين مغادرة زين العابدين بن علي البلاد.
يملك جمعة الكثير من حظوظ النجاح رغم الظروف الصعبة التي سيعمل فيها؛ اذ انه حاز منذ اليوم الأول دعماً أميركياً وأوروبياً وجزائرياً كبيراً، فضلاً عن دعم رجال الأعمال والنقابات والأحزاب السياسية حتى التي تحفّظت عليه في بداية ترشيحه. ولجهة شكل الحكومة المطلوبة تطالب المعارضة والمنظمات الراعية من جمعة أن يشكل حكومة صغيرة العدد لا يتجاوز عدد الوزراء فيها ١٦ وزيراً.
أما أبرز التحديات التي يواجهها رئيس الحكومة التونسية، فهي مطالب عديدة مثل توفير مناخ ملائم للانتخابات عبر مراجعة التعيينات في الإدارات العامة، وحل ميليشيات حماية الثورة، وكذلك الكشف عن قتلة شكري بلعيد ومحمد البراهمي، ومقاومة الإرهاب والترهيب، والضغط على الأسعار، وانجاز ميزانية تكميلية تراعي الفئات الوسطى والفقيرة.
أما الشارع، رغم انشغاله بالضرائب المجحفة، فقد بدت عليه علامات الارتياح كانعكاس لحالة الاحتقان ضد الاسلاميين الذين أساؤوا إدارة البلاد خلال عامين من الحكم.
وبحسب القانون المنظم للسلط العمومية سيشكل جمعة حكومته خلال خمسة عشر يوماً بدءاً من يوم تكليفه، لكن يبدو انه لن يستغرق كل هذا الوقت اذ يتوقع ان يعرض حكومته على المجلس الوطني التأسيسي الاسبوع المقبل ليحصل على التزكية.
وتعمل المعارضة على الدفع نحو تنقيح القانون المنظم للسلط العامة ليكون سحب الثقة بثلثي أعضاء المجلس حتى تنجو الحكومة من ضغوط حركة النهضة، وهو ما يمكن ان يكون محل خلاف بين «النهضة» وخصومها تحت قبة المجلس الوطني التأسيسي.