في رفض جديد لتل أبيب، تمّ يوم الثلاثاء الماضي إلغاء المقابلة الوديّة بين إسرائيل والأرجنتين التي كان من المنتظر أن تنعقد يوم السبت في القدس. وعلى الرغم من أنّ «حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها ـــ BDS» لم تكن مشاركة في هذه المبادرة، فقد اعتبرت وسائل الإعلام الواسعة الانتشار أنّ قرار الاتحاد الأرجنتينيّ لكرة القدم بمقاطعة إسرائيل جاء بعد تهديدات وضغوط فلسطينيّة. وبصرف النظر عن التجريم المتنامي لأعمال التضامن والدفاع عن الحقوق الفلسطينيّة في الأعوام الأخيرة، يبدو أنّ ثمرات حملات التوعية والتعبئة بدأت تنضج. فما فتئت المقاومة الثقافيّة والسياسيّة تتأكد في وجه مجموعات الضغط القويّة المساندة لإسرائيل، التي تستثمر مبالغ هائلة وتحرّك رأسمال سياسيّ مهمّ لمأسسة قمع معاداة الصهيونيّة وجعلها متماهية مع معاداة الساميّة، ومن أمثلة ذلك ما حققته «حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها»، من نتائج ملموسة في مجالات الأكاديميا والثقافة والاستهلاك.

ونظراً الى امتلاك هذه الحركة آلاف الأنصار حول العالم، فإنّها نجحت في مضاعفة الضغوط على الشركات والفنانين والمؤسسات الأكاديميّة لقطع روابطها مع دولة الاحتلال الإسرائيليّة والتأثير في الرأي العام العالميّ على نحو معاكس للدعاية الإعلاميّة المكثّفة لمصلحة إسرائيل. وعلى غرار حركة المقاطعة، شهدت المبادرات المواطنيّة المدافعة عن الحقوق الفلسطينيّة نموّاً كبيراً، حيث تشدّدت فاعليّتها بفضل الثورة الإعلاميّة، وخاصّة مع ما تشهده شبكات التواصل الاجتماعيّ من انتشار مكثّف وسريع لمعلومات تتجاوز الرقابة القمعيّة. ففي حين تخنق وسائل الإعلام السائدة النقاش وتنزع الأهليّة عن أيّ نقد لسياسة الحكومة الإسرائيليّة، صارت الصحافة البديلة وشبكات التواصل الاجتماعيّ وسيلة مهمّة لنشر معلومات تتعرّض للحجب أو الاقتطاع، وكذلك عاملاً مساعداً لنشاط المجموعات النضاليّة.

تتجذّر الفاشيّة في الخوف من انهيار دولة تأسست على التطهير الإثنيّ


ولا شكّ في أنّ الموارد المهمّة التي توفّرها هذه القنوات الجديدة لتجاوز حجب الخطاب المعادي لإسرائيل لم تكن لتحظى بمثل هذا الأثر المهمّ لولا تأرجح المجتمع الإسرائيليّ نحو الفاشيّة. فدرجة ابتذال الأشكال القصوى للعنف، الارتفاع المتسارع لعدد ضحايا قناصي جيش الاحتلال من الفلسطينيّين المدنيّين، الوحشيّة الجسديّة التي تتعرضّ لها أجساد الأطفال، احتجاز الجثث وانتهاك حرمة القبور، تمثّل جميعها مؤشرات اعتبرها الكاتب والصحافيّ الإسرائيليّ ميشال وارشوسكي، في تدخلاته الإعلاميّة، «نزعة فاشيّة متنامية داخل المجتمع الإسرائيليّ».
وتتجذّر هذه الفاشيّة في الخوف من انهيار دولة تأسست على التطهير الإثنيّ للفلسطينيّين وتدمير شروط بقائهم لـ«فرض واقع ديموغرافيّ إقصائيّ قدر الإمكان»، وفق عبارات وارشوسكي. أما توماس فيسكوفي، الباحث في التاريخ ومؤلف كتاب حول ذاكرة النكبة في إسرائيل بعنوان «نظرة المجتمع الإسرائيليّ للمأساة الفلسطينيّة» (لارماتون 2015)، فيُذكّر بأنّ فشل مسار أوسلو (الذي لم تكن غايته إنشاء دولة فلسطينيّة، بل حكماً ذاتيّاً محدوداً يُسهّل إدارة جهاز الاحتلال من خلال تعاون أمنيّ مشدّد) جعل الفلسطينيّين غير مرئيّين داخل المجتمع الإسرائيليّ.
يقول فيسكوفي: «في 2015، خلال الانتخابات التشريعيّة، لم يعتبر سوى 9 بالمئة من الناخبين الإسرائيليّين أنّ الوصول إلى اتفاق مع الفلسطينيّين يجب أن يكون أولويّة الحكومة الإسرائيليّة، ويعتبر هذا المنطق أنّ الأمن هو الأهمّ». وتعطي مركزيّة المسألة الديموغرافيّة دفعة لسياسة التهويد، تحت تأثير تطوّر قوميّة دينيّة ترافقها إدارة أمنيّة للمسألة الفلسطينيّة، وذلك ضمن مقاربة لـ«مقاومة الإرهاب» تشرعن استخدام الأساليب الإرهابيّة الأكثر سوءاً. وكما يؤكد فيسكوفي «فلم يعد بإمكان حزب الليكود أن يحكم من دون نفتالي بينيت والحركة الصهيونيّة المتشدّدة، ويقود هذا التحالف بين الدين والصهيونيّة دولة إسرائيل في اتجاه غير مسبوق: الحفاظ على الطابع اليهوديّ للدولة على حساب الديموقراطيّة. بناءً على ذلك، تتمّ مضايقة المنظمات غير الحكوميّة، ويصير المدافعون عن حقوق الإنسان هدفاً للسلطات... بينما يضاعف الوزراء القوميّون المتديّنون (التعليم والعدل خاصّة) اقتراح مشاريع قوانين يمكن اعتبارها فاشيّة». كما يلاحظ فيسكوفي كثافة حضور هذا التوجّه الفاشيّ لدى الإسرائيليّين، «ففي 2001، في أوج عنف الانتفاضة الثانية، كان أقلّ من 35 بالمئة من الإسرائيليّين يعتبرون فكرة ترحيل الفلسطينيّين إلى الأردن معقولة (وهو اقتراح كان يجري نقاشه في أوساط اليمين المتطرّف). اليوم، يعتبر 58 بالمئة من الإسرائيليّين هذا الاقتراح مثيراً للاهتمام. علاوة على ذلك، يعتبر 59 بالمئة من الإسرائيليّين أنّ من الطبيعيّ، في حالة ضمّ الضفة الغربيّة، أن يحظى اليهود بامتيازات وأن يُحرم العرب من حقّ التصويت: إنّها دولة فصل عنصريّ (أبارتايد)!».