للمرة الأولى منذ أشهر، يعقد المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغَّر (الكابينت) جلسة لمناقشة الوضع في قطاع غزة. ووفق تقارير إعلامية إسرائيلية، يهدف هذا اللقاء إلى مناقشة الموضوع الإنساني في القطاع وفرص التوصل إلى تسوية سياسية. وتأتي جلسة «الكابينت» في سياق «مسيرات العودة» المتواصلة طوال أيام الجُمعة منذ آذار الماضي، وبعدما سطّر خلالها الشعب الفلسطيني في القطاع أعلى ملاحم التضحية وأظهر شجاعة واندفاعاً وولاءً لقضية فلسطين، أذهل معها كل المتربصين بالقضية، وأشعل أضواءً حمراً في تل أبيب إزاء مفاعيل مخطط تصفية القضية، عبر «صفقة القرن»، كذلك رفع مستوى القلق من إمكانية أن يؤدي تواصل هذه المسيرات وتطورها إلى انعكاسات مشابهة في الضفة المحتلة، وهو ما قد يغيّر المعادلة.

تتزامن جلسة «المجلس المصغر» مع تقارير الهيئات الدولية التي تحذّر من انفجار الوضع في غزة إذا لم تحلّ الأزمة التي يسببها الحصار المتواصل منذ أكثر من 12 عاماً، ومع النقاش الذي تجريه الجمعية العامة للأمم المتحدة حول الوضع في القطاع، وهو ما أدانه السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة، داني دانون، بالقول: «للأسف، بدلاً من إدانة إرهابيي حماس، هناك دول تسعى إلى تلبية احتياجاتها السياسية الداخلية من طريق الإضرار بدولة إسرائيل في الأمم المتحدة».
ويتناغم البحث الإسرائيلي مع الموقف الأميركي الذي عبّر عنه المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، بالقول إن «حلّ الوضع في غزة أمر حاسم أيضاً لأسباب إنسانية، لكنه مهم أيضاً لأمن إسرائيل ومصر».
في المقابل، يأتي بحث القيادة الإسرائيلية للوضع في غزة ترجمة لمخاوف إسرائيل من انهيار تام هناك، وهو ما ترى فيه تل أبيب تهديداً لأمنها، لكونه سينعكس بالضرورة تصعيداً قتالياً على حدود القطاع. وكان نتنياهو قد وعد خلال زيارته الأخيرة لألمانيا بأن إسرائيل «ستبحث الاحتمالات والخيارات كافة لمنع الانهيار الإنساني في قطاع غزة». لكن، كما هو الخطاب الإسرائيلي الرسمي، إن مسؤولية جريمة الحصار، الذي يفرضه الاحتلال تقع على الضحايا الفلسطينيين، لأنهم لم يتنازلوا عن عودتهم إلى وطنهم، ويرتكبون جريمة الدفاع عن أنفسهم وشعبهم.
على أي حال، كشف تواصل «مسيرات العودة» عن حجم التصميم الذي يتحلى به الشعب الفلسطيني، إذ عزَّز لدى صناع القرار الإسرائيلي محدودية الرهان على إمكانية إخضاع القطاع في ظل مقاومته صيغة التسوية التي تسعى إدارة ترامب، بدعم السعودية، إلى فرضها على الشعب الفلسطيني. وبات كيان العدو أكثر إدراكاً لحقيقة أن المقاومة الفلسطينية ليست بوارد المساومة والتخلي عن سلاحها وخيارها المقاوم، أو على مقايضة تحسين الوضع المعيشي مقابل التخلي عن كامل فلسطين.
في ضوء ذلك، تبقى آفاق البحث الفعلية على طاولة المجلس الوزاري الإسرائيلي بما يحافظ على ورقة الضغط ــ الحصار ــ على القطاع، وفي الوقت نفسه بما يحول دون التدحرج نحو مواجهة عسكرية. ضمن هذا الإطار، يأتي بحث «الكابينت» كما تقول تقارير إعلامية في اقتراحات عدة تهدف إلى التخفيف من وطأة المعاناة الإنسانية على نحو مدروس، أي من دون أن يعالجها جذرياً، كي تبقى تحت سقف استمرار الحصار، لكن بما يحول دون التدحرج نحو المواجهة العسكرية الواسعة. وهكذا، تكون إسرائيل قد قدمت نفسها أمام الراي العام الدولي على أنها حريصة على الواقع الإنساني في القطاع، بما يغطي على جرائمها الدموية بحق المتظاهرين السلميين الفلسطينيين.
وينبغي القول إن الردّ الإسرائيلي الوحشي، وحالة السكون في الضفة وأيضاً العالم العربي، والتجاهل الدولي إزاء الجرائم الإسرائيلية، كلها ساهمت حتى الآن في الحدّ من مفاعيل هذه المسيرات ونتائجها. مع ذلك، ليس أمام الشعب الفلسطينيّ في هذه المرحلة إلا انتهاج خيار الحراك الشعبي الشامل في كل أماكن وجوده، بما يفرض على المترددين أو المشاركين في منع تشكله، التناغم مع هذا الخيار وتبني مصلحة القضية الفلسطينية فوق أي اعتبار. بل إن هذا الحراك قادر على تشكيل سدّ أمام خيانة عربية ــ سعودية أخرى، وبعبارة أخرى: إفشال «صفقة القرن» بالنضال الشعبي.
بموازاة ذلك، رأى المعلق العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، أن الهدوء الذي ساد منذ عدوان «الجرف الصامد» قد تبدد وانتهى، الأمر الذي يتعارض مع تقديرات أخرى تراهن على مفاعيل القتل الجماعي الذي مارسه جنود العدو ضد المتظاهرين الفلسطينيين. على هذه الخلفية، يتوقع هرئيل أن تتواصل التظاهرات في الصيف، مبيناً أن «لدى حماس مزيجاً جديداً من الوسائل: التظاهرات التي تذهب إلى المواجهة، والمفرقعات النارية، والصواريخ في بعض الأحيان، للحفاظ على نار المقاومة». أما عن خطورة التدحرج نحو مواجهة شاملة، فرأى أن هذا السيناريو «غير مؤكد».