دمشق | انتشرت النكات التي أطلقها السوريون من كلا الطرفين عن أزمة الكهرباء في سوريا. لوزير الكهرباء عماد خميس النصيب الوافر منها. كأن تنتشر على صفحات التواصل الاجتماعي، صورة للوزير، المشترك في برنامج «آراب آيدول»، تبادره المطربة أحلام بالسؤال «شو موهبتك؟»، فيجيب الوزير ببراءة: «أنا بقطع الكهربا»، ثم يعمُّ السواد استديو التصوير.


أو أن تنتشر صورة لكتاب «كيف تخرج عن دينك في خمسة أيام»، من تأليف الوزير خميس صاحب الجملة الشهيرة «سوريا منورة بشعبها!» أما لجهة المسلحين، فإضافةً إلى حملة اللعنات والشتائم التي تطاول اعتداءاتهم على الكهرباء، فقد اكتشف «الفسابكة» السوريون، أنه لا يجوز ضرب عمود الكهرباء، لأنه ذكر، بينما يجوز ضرب المحطة، شرعاً، فهي أنثى!
بالنسبة إلى وزارة الكهرباء، لم يعد الأمر متوقفاً فقط على تلبية نمو الطلب على الطاقة الكهربائية. فقد أفرزت الحرب السورية مهمات جديدة أثقلت كاهل العاملين في الوزارة. أولى تلك المهمات إعادة ما جرى تخريبه من جراء الحرب. اعتداءات المسلحين كان لها الحصة الأكبر من الأضرار التي ألمّت بالكهرباء، إذ أدى استهداف الشبكات الكهربائية إلى تضرّر 30 خط نقل طاقة، من أصل 82 خطاً رئيسياً. وإضافة إلى تخريب المحولات الكهربائية، تأتي سرقة المسلحين لخطوط نقل الطاقة، ونهب الأبراج الكهربائية، وتفكيك عوارضها، وتهريبها إلى الخارج السوري من جهة، والعقوبات الاقتصادية التي فرضت على الشعب السوري، من جهة أخرى، لتزيد من حجم الخسائر التي بلغ مقدارها بحسب تقديرات الوزارة 20 مليار ليرة سورية، (أي ما يقارب 139 مليون دولار أميركي). وكانت أكبر هذه الأضرار قد طاولت خطوط التحويل في حلب والمنطقة المتوسطة والجنوبية.
وأعلنت الحكومة أن هناك مشكلة حقيقية في تأمين الوقود الذي يغذي محطات التوليد الكهربائية، إذ تحتاج سوريا إلى 35 ألف طن «مكافئ نفطي» يومياً، وهذا كان مؤمناً قبل الأزمة. أما اليوم، فلا تؤمَّن سوى 10 أطنان، وهذا ما يبرر بحسب الحكومة ساعات التقنين الطويلة.
إلى جانب ذلك، تنتشر في سوريا منذ ما قبل الأزمة، ظاهرة سرقة الطاقة الكهربائية، إذ يعمد الكثير من المواطنين إلى إيصال الكهرباء إلى منازلهم، عن طريق مد خطوط كهربائية من شبكات البلديات وأنوار الطرق العامة، تهرباً من دفع الفواتير الكهربائية. وهذا ما يحمِّل القطاع العام خسائر أكبر. بالنسبة إلى المواطنين، فهذا السلوك ليس تهرباً من الدفع فقط، بل هو أيضاً طريقة لتفادي ساعات التقنين الطويلة التي يعانونها. «فليذهبوا إلى كبار المصانع الخاصة التي تعتمد ذات الأسلوب في سرقة الكهرباء من الدولة، هؤلاء سرقتهم أشد فتكاً بالحكومة، عندما يفعلون ذلك سيتوافر التيار الكهربائي لنا، ولن نكون بحاجة إلى مد خطوط من الدولة». يقول الحاج علاء الدين، أحد سكان حي الزهور في العاصمة السورية.
هذا وتحول عمال الكهرباء، مع تفاقم مشاكل قطاع الكهرباء، إلى أبطال حقيقيين في نظر المجتمع السوري، فلعملهم على الأرض صعوبات ومخاطر جمة يواجهونها يومياً، فضلاً عن الأضرار التي قد تصيب العاملين من جراء طبيعة العمل الخطرة، بات العامل فريسة للمسلحين، إذ يتعرض عمال الكهرباء للعديد من حالات القنص، أو تفجير أماكن عملهم. ودائماً ما يعزو المسلحون ذلك إلى كون العمال «موظفين عند النظام، وبالتالي هم جزء منه». يقول أحمد (اسم مستعار)، وهو عامل مياوم في الشركة العامة لكهرباء دمشق، في حديثه مع «الأخبار»: «المسلحون يستهدفوننا من جهة، والمسؤولون من جهة أخرى، فنحن العمال المؤقتين محرومون من تعويض طبيعة العمل، الذي يعطى فقط للعمال الدائمين.. يضحك المسؤولون علينا بتوجيه التحيات إلى صمودنا وعملنا الصعب، ثم لا يقبلون منحنا حقنا الطبيعي».
ومع ارتفاع ساعات التقنين إلى حدودها القصوى، سارع كبار التجار إلى رفع أسعار الشموع وزيت الكاز والشواحن الكهربائية، التي باتت تمثّل حلولاً جزئية على المدى الطويل، هذا فضلاً عن ارتفاع أسعار حطب التدفئة، نتيجة لعدم فاعلية المدافئ الكهربائية، التي كانت قد مثلت البديل عن مدافئ المازوت. ومع اقتراب موعد الامتحانات الفصلية لطلاب المدارس والجامعات، يزداد احتقان هؤلاء تجاه ساعات التقنين المطولة.
وأصدر رئيس الوزراء السوري وائل الحلقي، قراراً يقضي بإنهاء تكليف المهندس عبد الله حنجر كمدير للشركة العامة لكهرباء دمشق، وتكليف المهندس نور الدين أبو غرة تسيير شؤون الشركة، إضافة إلى قرارات الفصل الدورية التي تصدر بحق بعض الموظفين في إطار ما تسميه الحكومة «إجراءات اجتثاث مظاهر الفساد الإداري والمالي في مؤسسات الدولة».
وفي السياق نفسه، تسعى الحكومة السورية إلى تفعيل العلاقات الاقتصادية مع بعض الدول الحليفة، ولا سيما على صعيد الكهرباء، وأولى هذه الدول هي إيران، التي أعلنت استعدادها لتقديم المساعدات والتسهيلات الضرورية لمساعدة سوريا على تخطي أزمة الكهرباء الحاصلة نتيجة اعتداءات المسلحين من جهة، والنقص في موارد الطاقة من جهة أخرى.