مرّ عامان على عودة داريا إلى سيطرة الجيش السوري، من غير تقدم حقيقي في ما يخص ملف عودة الأهالي. زمن كان كافياً لإطلاق أقاويل وشائعات عن «تغيير ديموغرافي» طُبخ على عجل، كما جرت العادة بعد كل تسوية انتهت بإجلاء المسلحين وعائلاتهم نحو الشمال السوري. لكنّ المدة الطويلة التي انقضت أثبتت أن لا ملامح لتوطينٍ ما، أما آمال السكّان بالعودة، فما زالت تنتظر أن تتحول إلى واقع. وكما يبدو واضحاً في حسابات دمشق، فإن نواة سكان داريا القادمين هم من أبنائها الفعليين، إذ بدأت في نيسان الماضي حملة تسجيل للراغبين بالعودة. ولكن تأخُّر إتمام الأمر، سبّب المزيد من الشائعات والخيبات لدى الأهالي.


«ردّني إلى دياري»
معظم من بقي في سوريا من أبناء داريّا ملّ الأسطوانات المشروخة التي تهذي بأحلام ثورةٍ ما. كما لم يعد مهتمّاً بالاختلاف حول «سلمية الحراك» وتاريخ تسلّحه، أو المسار الذي تطوّرت أحداث مدينته وفقه. ثمّة ملفٌّ بعينه قفز إلى رأس أولويات هؤلاء، وهو موعد العودة إلى أرض العنب وصناعة المفروشات. لا أجوبة شافية لدى الحكومة، ولا جداول زمنية واضحة. ثمّة فقط شائعات تُروَّج بين فترة وأخرى عن تحديد مواعيد، ليتبيّن لاحقاً زيفها، وتخيب الآمال مجدداً، فيما يتواصل استنزاف الجيوب المنهكة أصلاً بإيجارات منازل سكنتها العائلات على عجل، بانتظار الفرج. وعلى هذا الأمل، قام بعض شبان المدينة بالتخفيف من حدة الانتظار، عبر المشاركة في حملات تطوعية لتنظيف وإعادة تأهيل الشوارع، بدعم من منظمّتي «الاتحاد الوطني لطلبة سوريا» و«اتحاد شبيبة الثورة» التابعتين لحزب البعث. إزالة الركام ما زالت تسود المشهد العام في المدينة. شوارع موحشة تكاد تسأل زوارها اليوم: لماذا تأخرتم عامين؟ الإجابة التي يعرفها هؤلاء المتطوعون وربما سواهم أيضاً، أن أسباب التأخير أمنية، ما يعني عدم الغوص كثيراً في الأسئلة. ومع وضع اللمسات الأخير لتأهيل «شارع أنس» أخيراً، وبعد اجتماعات متتالية لمناقشة آلية العودة ومتطلباتها الخدمية، انتهى الأمر برفع قوائم بأسماء الراغبين بالرجوع ليتم تسجيلها في «إدارة الأمن الوطني» في انتظار الموافقات الروتينية اللازمة. آلاف الأسر النازحة سارعت إلى التسجيل لدى «مجلس مدينة داريا». تجاوز عدد الأسماء المسجّلة كـ«دفعة أولى» حاجز العشرين ألفاً (كان عدد سكان المنطقة 255 ألفاً وفق إحصاء عام 2007)، وإذا ما أتيح للدفعة الأولى الحصول على الموافقات المطلوبة فإنّ الملف يكون قد خطا أولى خطواته نحو حلحلة العُقد.

حركة... في انتظار «البرَكة»
سُجلت خلال الشهر الأخير زيارات حكومية متلاحقة إلى المنطقة، وكثير من الوعود بتأهيل المباني الخدمية والسكنية. الحديث عن «بدء تشكيل لجان متابعة» هو أبرز ما يتلقاه الأهالي في مواجهة ملف الوكالات العدلية المفقودة وإعادة أرشفتها. ومع كل نداء حكومي يهرع الأهالي لتسجيل أسمائهم في مبنى البلدية، فينالون إيصالات تسليم للمراجعة. وعلى امتداد الشهر الماضي تمّت إعادة تأهيل مباني مجلس المدينة والإطفاء والمصالح العقارية، تمهيداً لمباشرة العاملين فيها أعمالهم، إضافة إلى عودة مخبز البلدة إلى العمل.

على الطاولات الهندسية بدا المخطط التنظيمي واعداً بالكثير من العصرية والتنظيم

ومع استمرار أعمال الفرق التطوعية والورش الحكومية، فإن الوعود قائمة حول تأهيل مبنى المحكمة، إضافة إلى معاودة الإعداد لإنشاء المجمع القضائي، الذي خُصّصت إحدى أراضي داريا لبنائه، منذ ما قبل الحرب. فيما لا أجوبة بعد عن تأهيل المنازل الواقعة في الأراضي الزراعية، إذ لم يتم العمل على مخططاتها بعد. وعقب انتهاء طلاب الجامعة والمدارس من تنظيف وتهيئة المنطقة الواقعة بين دوار الباسل ومبنى البلدية، تستمر أعمالهم لإعادة تأهيل المدرستين التاسعة والعاشرة، مستغلين فرصة بدء العطلة الصيفية، وتحضيراً للعام الدراسي القادم.

مناطق تنظيميّة... و«خليج»
في السياق ذاته، طرح مجلس الوزراء أخيراً ميزانية 100 مليار ليرة لتأهيل المناطق المتضررة في ريف دمشق، بعد أن خصص في أحد اجتماعاته السابقة 35 مليار ليرة لتأهيل مدينة داريا وحدها. الأمر الذي سرّع عرض مبادرة من «مديرية التخطيط العمراني» لإعادة تخطيط وإعمار أحياء داريا، عبر تقسيمها إلى أربع مناطق تنظيمية، وهي: الجنوبية والجنوبية الغربية ووسط المدينة، إضافة إلى منطقة «الخليج» شمالاً. على الطاولات الهندسية بدا المخطط التنظيمي واعداً بالكثير من العصرية والتنظيم، معتمداً على المنطقة الجنوبية التي تبلغ مساحتها 61 هكتاراً، وتضم أحياء سكنية ومراكز خدمية واستثمارية متنوعة. الأمر ذاته تقريباً ينطبق على المنطقة الجنوبية الغربية التي تزيد مساحتها على 47 هكتاراً. فيما تختص المنطقة الشمالية ووسط المدينة بمباني السكن المتنوع، بما فيها الأبنية البرجية والفعاليات التجارية. وبوضوح يظهر على المخطط المطروح محاولات إضفاء الطابع التنموي نظرياً، بانتظار تنفيذ ناجح. ثمّة آمال وخيبات أُخرى لدى الأهالي تتعلق بـ«القانون رقم 10»، بحسب فهم كل منهم لمواده التي يمكن الإفادة منها في إعمار داريا. غير أن حالة من الاطمئنان إلى بنوده، تسود معظم من اهتم بالحصول على إيضاحات حكومية حول حقوق مالكي العقارات في المدينة وشاغليها. وبرغم اعتذارهم عن طرح جدول زمني للعودة إلى داريا، فإن القيمين على المخططات الهندسية يرون أن لا أعذار بعد الآن تبرر عدم بدء العمل على إعداد الدراسات والجداول الزمنية المحتملة لإعادة الأهالي إلى أرزاقها وبيوتها.