زياد اشتيوي

صديقي أبو جمال غادر مخيم اليرموك بعد أن دخلته المجموعات المسلحة، ثم لجأ إلى مخيم نهر البارد بعد الذي جرى في اليرموك ولفلسطينيي سوريا عموماً. التقيته في مستوصف الشفاء في نهر البارد، بعد أن تبادلنا التحية والاطمئنان إلى أحواله والعائلة والأصدقاء المشتركين. خضنا في نقاش عام تناول الأوضاع في سوريا، وتقويم كل منا لما يجري هناك. اتفقنا واختلفنا، ثم «مش مهم».
منذ نحو أربع سنوات، استضافني في منزله في مخيم اليرموك، وكنت وقتها في زيارة لسوريا، وعند تعرفي إليه في منزل صديق مشترك، ألح عليّ لزيارته في منزله. حين جلسنا نتبادل أطراف الحديث، لم تكن سوريا قد وقعت في ما هي فيه الآن. تحدثنا عن الوضع الفلسطيني والعربي وأوضاع لبنان، وما يعانيه الفلسطيني في هذا البلد العربي.

في لقائنا الأخير في مخيم نهر البارد، استفزتني نبرة صوته الخافته المكسورة. لم تكن ذات النبرة يوم التقينا في اليرموك، حتى إني اشتبهت في أنه شخص آخر! كانت شفتاه تتحركان ببطء شديد، وكأن كلماته تنزلق عن شفته السفلى وتسقط أرضاً، ولا روح فيها كي تنطلق! شو مالك يا زلمي؟ قل، هل ثمة مشكلة ما؟ ابتسم، وبنفس النبرة أجاب: لا شيء، لا شيء. لكني تابعت بإلحاح: لا، هناك أشياء تخفيها؟ احكيلي، هل فقدت قريباً أم عزيزاً، صديقاً، انهدم بيتك؟ يبدو أن خسارتك كبيرة جراء ما حدث في المخيم؟ ضحك بصوت مرتفع وأعاد الكرة مرات، لدرجة أني سعدت لضحكته، وقلت: «نعم، هكذا. ارمي من ورا ضهرك يا زلمي».
فاجأني أبو جمال بملامح جدية جداً، وعادت نبرته الخافته مرة أخرى، وقال إن ما جرى لنا في اليرموك هو النكبة الثانية، أي من يقف أمامك هو كائن ميت! إنسان مات ثم عاش ثم مات.
فهمت شيئاً ما من كلام أبو جمال، لكني لم أفهم تماماً ما يعنيه، وأدركت بنحو عفوي أن الأمر يتطلب المبادرة إلى طرح الأسئلة؛ فما يختزنه من غم وهم لن يخرج بسهولة أو بتلقائية، بل يتطلب الأمر سبر أغواره لفهم ما يعنيه تماماً. فبادرته: أبو جمال، في الحقيقة لم أفهم ما تعنيه. أجاب: نعم يا صاحبي، غادرت مع عائلتي من قريتنا في فلسطين عام 48 وكان عمري أشهراً فقط، وعشت طوال طفولتي وفتوتي منكوباً في غزة، ثم غادرت غزة عام 1967 إلى مصر، ثم إلى سوريا فلبنان ثم سوريا. تزوجت وأنجبت أطفالا وسكنت في سوريا مع عائلتي نحو 20 سنة، واليوم أغادر سوريا منكوباً من جديد إلى لبنان في مخيم نهر البارد.
قصدت أن أبقي ملامح وجهي ونظرتي في عينيه استفهامية، حتى يدرك أني لم أفهم بعد، فتابع: هل تذكر ما قالته أم سعد عن خيمة، عن خيمة بتفرق؟ وأن هناك فرقاً بين خيمة اللاجئ وخيمة الفدائي؟ أجبت: نعم، فقال: اليوم فقط فهمت ما قصده غسان كنفاني، لقد اكتشفت أنه لا خيمة بين خيمتين، فإما خيمة اللاجئ أو خيمة الفدائي، ثم سألني: «هل تعرف ماذا يعني أن تكون لاجئاً، ولا تكون فدائياً؟». وأجاب مباشرة دون انتظار إجابتي أو حتى النظر إليّ: «يعني أن تكون ذليلاً متسولاً وبلا كرامة، أي ميتاً»!
بعد نكبتنا في 48 صرنا لاجئين ومتنا ذلاً ومهانة، تسولاً وإغاثة، ثم خرجنا من الموت فدائيين وثواراً، والآن نموت من جديد لأننا عدنا مجرد لاجئين! «عندما تصبح لاجئاً، وما تعمل فدائي؟ يعني أنت بلا كرامة، يعني أنت ميت! لقد كانت الثورة فاصلاً بين نكبتين يا صاحبي، هل فهمت الآن ما بي؟».