بيروت - أيهم السهلي

لم يكن بيتي في مخيم اليرموك مجرد بيت داخل مخيم في بلد عربي، ولم أكن أشعر فيه بأني لاجئ في ذاك البلد! في ذلك البيت غرفة صغيرة، هي غرفتي وعالمي الواقعي. كانت تلك الغرفة تشكل وطناً بمعنى ما، وعند البشر العاديين لا يوجد سوى وطن واحد، وبما أني لا أمتلك جنسية وجواز سفر، خلقت وطني الخاص الذي أنتمي إليه، لأكون عادياً كالبقية، أدخل وأخرج من غرفتي وبيتي ومخيمي، والمدينة، دون جواز سفر أو فيزا، أو ضابط جمارك يرجعني لأني فلسطيني. ظلت تلك الغرفة وطني الجميل والاستثنائي، ومواطنو ذاك الوطن أسرتي الصغيرة.

ظلت كذلك إلى أن خرجت من سوريا إلى لبنان. طوال طريق السفر القريب، كنت أظن أني أصبحت لاجئاً حقيقياً الآن، ولن يكون لي استثناء؛ فوطني أضاعته الحرب في عموم سوريا، وقد خرجت منه مع كثيرين من مواطني وطني الجميلين.
في لبنان، صار لي غرفة صغيرة، مع الوقت بدأت تعود تلك الملامح التي كانت في غرفة اليرموك، عاد لي وطني مجدداً، وعادت صور تلك الغرفة تتشكل على جدران غرفتي الجديدة. وعاد لي السؤال الذي راودني خلال الطريق في زيارتي للضفة الغربية، في فلسطين، في السنتين الفائتتين، عندما خرجت من نقطة الاحتلال الحدودية عند جسر الملك حسين: هل قمر بلادنا أحلى كما قال ناجي العلي؟!
اليوم في الوطن الجديد، الغرفة الجديدة في بيروت، أسأل صور بعض الثوريين على جدران غرفتي: هل أقمار وطني الجديد أحلى من ذاك الذي في دمشق، وذاك الذي في فلسطين؟ هل ستمنحني غرفتي الجديدة جواز سفر، أم أن ضابط الجمارك، على الحدود، الجالس في قفل الباب سيرجعني إلى الوراء، أنت بلا جنسية؟
الأسئلة تبقى بلا إجابات واضحة؛ فالوطن أساساً غير واضح، وما كنا نعتقده يملأ الفراغ النفسي، وطناً، صار دماراً. المخيم، وأقصد المخيم الذي كنت أحيا فيه، مخيم اليرموك الواقع اليوم بين نيران الحرب التي لم تعرف بعد طريقاً لوضع أوزارها.

هناك هويتي

برشلونة - روان الباش
داخل أزقة دمشقية مظللة بعطر مخيماتيّ ولدت. في أحضان مخيم اليرموك كان لجوئي. هنا لا أقصد كوني اللاجئة الفلسطينية التي ولدت من أب فلسطيني وأم سورية، بل أقصد لجوئي الذاتي حين كنت أهوى ترك حارات دمشق التي نشأت فيها، والالتجاء إلى ذلك المخيم الموجود أيضاً في حضن المدينة، كنت آوي إليه كي استنشق فلسطينيتي، وأخترع الحجج للتسكع في حاراته. كان المخيم ملاذي كلما تهت عن هويتي، وثورتي كلما عصف غضب الأجداد بداخلي.
بعضهم يرونه وطناً، أما أنا فلم أره كذلك. كان ملاذاً، كان هوية، رائحة الكعك الفلسطيني تجوب الأزقة الضيقة الدافئة، وصوت جدتي وهي تصرخ بأحفادها أمام بيتها: «ولكو إلعبو بعيد». كان المخيم هتافاً يودع الشهداء من حناجر فتيّة ثائرة غير آبهة لمدى صوتها واتساعه: «بالروح بالدم نفديك يا شهيد، بالروح بالدم نفديك يا فلسطين»، كذلك كان المخيم أهزوجة فلسطينية تزف العريس: «قولو لأمو تفرح وتتهنى.. ترش الوسايد بالعطر والحنة»، وصوت فرقة العاشقين يحيي كل مناسبة في مكاتب الفصائل: «ومن سجن عكا وطلعت جنازة... محمد جمجوم وفؤاد حجازي». التفاصيل الصغيرة تعني لأبناء المخيم مناخاً اعتيادياً؛ فهي من يومياتهم. كانت لي هوية وجذور، ماض ومستقبل. تفاصيل طالما اعتقدتها ثابتة لا تزول، باقية لا تنتهي.
في تلك الزوايا الصغيرة من مخيمي نشأ حلم عودتي لأرضي التي أهدتني تلك التفاصيل، وبدأت أرى ملامح وطن قد أعود إليه يوماً ما. الآن، أنظر إلى صور مخيمي الذي فقد ألوانه. صوت جدتي غاب تحت أنقاض الحارات التي أصبحت ركاماً، وبدل رائحة الكعك انتشرت رائحة الجوع في ثناياه، وتاهت الحناجر الفتية. بعضها سقط تحت التعذيب في سجون النظام، وبعضها الآخر سقط شهيداً بنيران المحاكمات الشرعية التي اخترعتها المعارضة، والحناجر أصابها صراخ صامت من شدة الألم.
ما زلت أعود إلى مخيمي في غربتي. ما زلت أجوب أزقته بمخيلتي، صانعة من بقايا رائحة الكعك عطراً أشمه، أردد الهتافات وحيدة، أستمع إلى أغاني العاشقين، وأعيد نفسي إلى هناك ممتطية رياح الأمنيات. أحاول الوصول إلى الجائعين هناك، لأرتوي من صمودهم، وأشحذ الأمل في داخلي من إرادتهم، فتوقفني البنادق طالبة إبراز هويتي، فأجيبها بثورة عاصفة: هويتي هناك بين المتعبين داخل المخيم، فكفوا عن سحقنا.