عاد القائد العسكري السابق إبراهيم الجضران كما لم يتوقّع منه أحد أن يعود، وذلك بعدما ظنت غالبية المتابعين للشأن الليبيّ أن المهمّة المقبلة لقوات المشير خليفة حفتر، بعد بسط سيطرتها على مدينة درنة، ستكون في الجنوب، خصوصاً الجزء الغربيّ منه الذي يشهد منذ أعوام اشتباكات متقطّعة بين ميليشيات تتبع مناطق وقبائل وإثنيات مختلفة، ولكن مع تأخر الحسم في درنة، فُتحت على نحو مفاجئ جبهة وسط البلاد. قاد الجضران، الآمر السابق لفرع المنطقة الوسطى من جهاز «حرس المنشآت النفطيّة»، هجوماً مباغتاً شمل أيضاً قوات مساندة لم تتوضّح تركيبها الكاملة بعد، وذلك بهدف العودة إلى منطقته التي طرده حفتر منها قبل نحو عامين.

في واقع الأمر، لم يكن يوجد وقت أفضل لشنّ الهجوم، فهو يأتي بعد إعطاء راحة لعدد من القوات المشاركة في حرب درنة إما لانتهاء مهمّتها وإما بسبب عيد الفطر، كما أنها أصلاً في حالة إرهاق بعد أكثر من شهر من القتال العنيف، في حين أنّ الكثير من أعضائها غادروا إلى مناطقهم البعيدة داخل البلاد. ثمة سبب آخر يذكره عدد من المتابعين وهو عدم ملاحظة طائرتي الاستطلاع الإماراتيّتين العاملتين مع حفتر، للمُتسللين، وقد يكون ذلك بسبب تشغيلهما في شكل مكثّف فوق درنة وفي محيطها. إضافة إلى ذلك، يأتي الهجوم بعد ارتفاع تظلمات قبيلة المغاربة التي لم تستفد كثيراً من تقديم ولائها لحفتر، كما لم يلتزم الأخير وعوده لجهة إرجاع «المُهجّرين» منها، أي أساساً الجضران وجزء كبير من قواته وعائلاتهم.
وفي اليومين الأولين من الهجوم، سيطر الجضران على بعض المدن ومينائي السدرة وراس لانوف، الأكبر في البلاد، فيما أدت المواجهات إلى حرق خزّان نفط عملاق، ما تسبب في خسارة ما يوازي 240 ألف برميل نفط. ومساء أوّل من أمس احترق خزّان ثانٍ، الأمر الذي رفع الخسائر إلى 400 ألف برميل وخفّض طاقة التخزين إلى 550 ألفاً فقط. وحذر بيان أصدرته «المؤسسة الوطنيّة للنفط» من إمكان تسرّب النيران إلى خزانات أخرى وحدوث كارثة بيئيّة واقتصاديّة، مضيفاً أن جميع موظفي الشركة تقرر إجلاؤهم على رغم أنّ أحدهم أصيب بالرصاص خلال الاقتحام، كما سرق عدد منهم «على يد مرتزقة أفارقة مشاركين في الهجوم».

أدى الهجوم إلى ارتفاع في أسعار المواد الأساسية وكذلك سعر صرف الدولار


في المقابل، تقول قوات الجضران في بيانات رسميّة إنّ ما تسبب في اشتعال الخزانين هو القصف الجويّ من «عصابة الكرامة الإرهابيّة»، مؤكدة أنّها سلّمت «للهلال الأحمر 17 أسيراً و3 جرحى... وجثتين لامرأتين لقيتا مصرعهن... بسبب القصف العشوائيّ». كما قال قائد هذه المجموعات في شريط فيديو إنّه يضع الموانئ ومقرات شركات النفط التي سيطر عليها تحت إدارة «حكومة الوفاق الوطني»، التي نددت بالهجوم منذ بدايته، و«المؤسسة الوطنيّة للنفط».
ومن اللافت غياب المواجهات الميدانيّة على نحو شبه كليّ بعد بسط المهاجمين سيطرتهم، إذ اكتفت قوات حفتر باستخدام الطيران، ويبدو أن للعامل القبليّ دوراً مهمّاً في ذلك. فمنذ البداية، لم تدن قبيلة المغاربة الهجوم ولم تسانده، بل دافعت عن المشاركين فيه ضدّ من تصفهم بالإرهابيّين، وقدمت ما يشبه التفهّم للعمليّة، ودعت في الوقت نفسه إلى تخفيض التصعيد والحوار. أما الجضران، فأشار إلى المسألة القبليّة في أحد أشرطته الأخيرة، قائلاً: «منطقة الهلال النفطيّ تجمع طيفاً من القبائل المتجانسة التي تربطها علاقات خاصّة، ورجوعنا إلى مناطقنا ليس موجهاً إلى شركائنا في الوطن»، فضلاً عن أنباء تفيد بإيفاد حفتر عدداً من الوجهاء القبليّين للتفاوض مع المُهاجمين.
ويبدو أنّ الهجوم قد وضع حفتر في موقف صعب، فمن ناحية، يمكن أن يؤدي حشد قواته المنحدرة من المنطقة إلى إطلاق حرب قبليّة سيكون إخمادها صعباً، في ظل أن عدداً من الخلافات القبليّة الأخيرة تعود إلى حوادث وضغائن منذ أكثر من قرن مضى. ومن ناحية ثانية، سيؤدي فقدان السيطرة نهائيّاً على موانئ النفط إلى خسارة حفتر ورقة ضغط سياسيّة عالية القيمة، كما يمسّ ذلك صورة الرجل الذي يمكنه توحيد البلاد باستعمال السلاح، وهي صورة يسعى إلى بنائها منذ إطلاقه «عمليّة الكرامة» قبل أربعة أعوام.
على رغم كلّ ذلك، حقّقت الغارات الجويّة حتى الآن نتائج لمصلحة حفتر، إذ أعلنت قواته مقتل أحمد التاجوري وفرج شكو، وهما قياديّان بارزان في «سرايا الدفاع عن بنغازي» التي تتركب من مجموعة ميليشيات إسلاميّة طُردت سابقاً من المدينة وشاركت في الهجوم على الهلال النفطيّ.
دولياً، تستمر بيانات الإدانة بالصدور، إذ قال سفير بريطانيا في ليبيا فرانك بيكير أمس، إنّه «مصدوم من الأضرار التي ترتبت على الهجوم»، كما دانت سفارة كندا «الهجمات التي لا معنى لها»، قائلة إنّه يجب «حماية المنشآت النفطيّة والشخصيّة لجميع الليبيّين للاستفادة من عائدات النفط».
وتجدر الإشارة إلى أنّ النفط يمثّل مصدر الدخل شبه الوحيد للدولة الليبيّة، ويهدد أيّ مساس به مصدر عيش قرابة مليون ونصف (من جملة خمسة ملايين مواطن) يعملون في القطاع العام الذي يعتمد كليّاً على هذا المورد. وقد أدى الهجوم إلى ارتفاع في أسعار المواد الأساسيّة وفي سعر صرف الدولار في السوق السوداء.