لم تعش أمانيّ قيادة «التحالف» بالسيطرة على مطار مدينة الحديدة طويلاً. هي سكرة موقتة فقط عاشتها الوسائل الإعلامية الموالية للإمارات والسعودية قبل أن ينجلي غبار المعركة، ويتّضح حجم الزيف الذي رافق اشتباكات اليوم الثامن. تسلّلت الميليشيات التابعة لأبو ظبي، صباح أمس، إلى داخل المطار من جهته الجنوبية - الغربية، بعد ضربات جوية مكثفة فاق عددها الأربعين غارة. سرعان ما بدأت، إثر ذلك، عمليات التضخيم والتهويل بالحديث عن سيطرة كاملة للقوات الموالية لتحالف العدوان على المطار، والتقدم منه نحو منطقة كيلو 16 الحيوية. في المقابل، كانت سلطات صنعاء، وقواتها على الأرض، على ثباتها المعتاد في مواجهة الأسطول العسكري والإعلامي الذي احتشد على أبواب مطار الحديدة، لينكشف استبسال الجيش واللجان عن طردٍ لمهاجِميهما من المطار، وتشديد للحصار عليهم في غير منطقة على طول الخط الساحلي، مع الإشارة هنا إلى أن «أنصار الله» لا تجد نفسها معنية بخوض المواجهة النفسية والإعلامية الراهنة التي تضع الإمارات كل ثقلها فيها، محاوِلةً تصوير اشتباكات المطار معركة كبرى أملاً في أن تؤدي السيطرة عليه إلى انهيارات معنوية على ضفة الجيش واللجان، تجعل الدخول إلى مدينة الحديدة أسهل وأسرع وأقل تكلفة.

مصادر مطلعة على سير المعارك تؤكد، في حديث إلى «الأخبار»، أن القوات اليمنية المشتركة تمكنت، مساء أمس، من إخراج الميليشيات المتسللة إلى داخل المطار من حرمه، مستعيدةً سيطرتها على كامل أجزائه. جاء ذلك بعدما «تمكّن المهاجمون، تحت غطاء جوي وبحري استثنائي، من تحقيق اختراق عبر التقدم من منطقة الدوار إلى الجهة الجنوبية - الغربية للمطار» بحسب ما تبين المصادر، لافتة إلى أن «القصف أدى إلى تدمير معظم مباني المطار وتحصيناته، قبل أن يُستخدم طيران الأباتشي لتأمين سيطرة أوسع عليه». وتستدرك بأن المهاجِمين «لم يتمكنوا من إسقاط المطار أو تحقيق سيطرة ثابتة داخله»، مضيفة أنهم «سرعان ما أُجبروا على التراجع إلى خارجه، وتحديداً إلى منطقة الدوار». وتشير إلى أن المواجهات كبّدت القوات المهاجِمة، وخصوصاً «ألوية العمالقة» السلفية، ما لا يقلّ عن 60 قتيلاً وعدداً كبيراً من الجرحى، مؤكدة أن الطيران الإماراتي عمد إلى قصف التجمعات المحاصَرة لتلك الألوية في محاولة لإفهام مقاتليها بأن «الفرار ممنوع من المعركة، وأن المطلوب هو التقدم مهما بلغ الثمن، وذلك بعد محاولتهم تسليم أنفسهم» وفق ما تقول المصادر نفسها، التي يعزّز حديثها معلومات كانت أوردتها وكالة «سبأ» التابعة لسلطات صنعاء عن «غارات لطيران العدوان على الكتائب المنسحِبة دمّرت 7 آليات، وأدت إلى مقتل وإصابة العشرات».
خسائر الميليشيات الموالية لـ«التحالف»، يوم أمس، لم تقتصر على ما لحق بها في معركة المطار، بل شملت أيضاً قطع المزيد من خطوط إمدادها على الشريط الساحلي، وتحديداً في منطقتَي النخيلة والمجيليس، ليبلغ عدد الخطوط المقطوعة إلى الآن، طبقاً لما تفيد به المصادر، «ما بين 5 و6»، بعدما كانت القوات المشتركة قد تمكنت من قطع ثلاثة أبرزها في منطقة الفازة في مديرية التحيتا. وترافقت هذه التطورات مع «عملية نوعية في مديرية الدريهمي أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى، وتدمير عدد من الآليات العسكرية بطواقمها، وفرار من تبقى من القوة المستهدفة» بحسب ما نقلته «سبأ» عن مصدر عسكري، مُتحدّثةً عن «تدمير 20 آلية عسكرية ومدرعة، واغتنام عشر أخريات بعدما فرّ جنودها تاركين أسلحتهم»، ولافتة إلى أن «قوى الغزو والاحتلال تقوم بإجلاء الجرحى والقتلى من المرتزقة الأجانب وبعض الجنسيات فقط بطائرات مروحية، كما حصل صباح اليوم (أمس) جنوب ساحل الحديدة». بالتوازي مع ذلك، شنّ سلاح الجو المسيّر سلسلة غارات في الساحل الغربي أدت إلى «إصابة 15 آلية عسكرية، وتفحم جثث عناصر قوات الاحتلال، وسقوط عشرات الجرحى»، في حين أعلنت القوة الصاروخية في الجيش واللجان إطلاق صاروخ باليستي من طراز «قاهر M2» على «تجمعات الغزاة والمرتزقة في الساحل».
بعد كل ما تقدّم من معطيات، إلى أين تبدو العمليات العسكرية على الساحل متجهة؟ تقول مصادر مطلعة في صنعاء إن «معارك الكرّ والفرّ مستمرة» من دون أن تنفي احتمال سقوط مطار الحديدة، لكنها تؤكد أن ذلك «لا يعني انتهاء المعركة الأشمل، بل مزيداً من الاستنزاف للمهاجمين». وإذ تنفي المصادر صحة ما يتمّ الترويج له خليجياً عن «الوصول إلى منطقة كيلو 16 وقطع طريق صنعاء - الحديدة»، مُنبّهةً إلى أنه «لا يزال من المبكر الحديث عن حرب شوارع»، تحتمل أن «يعمد العدو إلى تنفيذ عملية التفاف على المدينة للوصول إلى الميناء»، وهي «عملية وإن كانت مكلفة وصعبة إلا أنها أقل وطأة بالنسبة إليه من اقتحام المدينة». وفي كل الأحوال، تظلّ القيادتان العسكرية والسياسية في صنعاء مطمئنتين إلى سير المعارك على الساحل وفق ما تؤكد المصادر، لافتة إلى أن «المعركة ستكون طويلة جداً، وستحمل مفاجآت للعدو لم تبدأ بعد».
وفي ظلّ التصعيد العسكري، وإصرار تحالف العدوان على المضي في المعركة على رغم الطابع الجنوني لهذا الخيار، تبدو جهود المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، مُجمّدة حتى حين، وإن كان الرجل قد أبلغ مجلس الأمن، ليل الاثنين - الثلاثاء، نيته استئناف المفاوضات في شهر تموز/ يوليو المقبل. وتأكدت، يوم أمس، مغادرة غريفيث العاصمة صنعاء قافِلاً إلى الأردن، من دون أن يتمكن من إقناع «أنصار الله» بالعمل على تسوية جزئية خاصة بمدينة الحديدة. وترافقت مغادرة المبعوث الأممي مع حديث دبلوماسيين، لوكالة «فرانس برس»، عن تفاصيل متصلة بالإطار التفاوضي في مقدمها إجراء «مصالحة وطنية» وتشكيل «مجلس عسكري»، في مؤشر إلى احتمال انطلاق جولة جديدة من المشاورات قريباً. لكن هذا الاحتمال يظلّ مرهوناً بما سيفرزه الميدان، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستسمح لوكيلَيها السعودي والإماراتي بالذهاب إلى أبعد مما بلغاه إلى الآن، أم أنها ستحملهما على الارتضاء بالأمر الواقع الذي أرسته أكثر من 3 سنوات من الحرب.



5200 أسرة نازحة من الحديدة
في محاولاتها السيطرة على مطار الحديدة، دخلت الميليشيات الموالية لـ«التحالف» قرية المنظر الواقعة في جوار المطار، والتي كان أدّى القصف الجوي المكثف إلى تهجير أعداد كبيرة من سكانها. ونقلت وكالة «رويترز» عن أحد سكان القرية قوله إنه تركها وأسرته قبل 3 أيام، وساروا لمسافة ثلاثة كيلومترات وهم يختبئون خلف الجدران وتحت الأشجار لتجنب الضربات الجوية، قبل أن يعثروا على مأوى في مزرعة سمكية. وأشار إلى «(أننا) الآن في مدرسة (تستخدم لإيواء النازحين) من دون كهرباء ولا ماء ولا حمامات، ولدينا أطفال يحتاجون لعلاج وغذاء». بالتوازي مع ذلك، أعلنت الأمم المتحدة ارتفاع عدد من أُجبروا على النزوح من الحديدة، منذ بداية حزيران/ يونيو الجاري، إلى 5200 أسرة. وقال المتحدث باسم الأمين العام للمنظمة الدولية، ستيفان دوجريك، في تصريحات من نيويورك، إن «نحو 5200 أسرة يمنية فرت من القتال، منذ الأول من يونيو الجاري، وانتقلت إلى مناطق أكثر أمناً».