تُفاقم جرائم غزّة صورة إسرائيل السيّئة في أوروبا، وذلك بعدما صارت سمعتها الدوليّة محلّ قلق عميق منذ بداية الألفينات. بالنسبة لغالبيّة الناس، تفضح وحشيّة الجيش الإسرائيليّ المستهترة أنماط الصراع وتبريراته. فعلى رغم تشوُّه صورة الصراع في الإعلام الغربيّ، تتزايد صعوبة المحافظة على استراتيجيّة التواصل الإسرائيليّة التي تقوم على تقديم الفلسطينيّين في غزّة كأدوات بيد «حركة حماس» التي يُنزع عنها بشكل ممنهج طابعها السياسيّ وتوصم بالإرهاب، وعلى الخطاب حول أمن إسرائيل، وعلى حماية الحدود ومكافحة الإرهاب.

أدت جرائم الجيش الإسرائيليّ المتكرّرة تجاه المدنيّين إلى سخط الرأي العام، لكن ذلك شمل أيضاً جزءاً من النواب الأوروبيّين، إلى درجة إعلان ممثلة الدبلوماسيّة الأوروبيّة، فريديريكا موغيريني، عن «إطلاق تحقيق مستقل وشفاف» حول «قمع» الجيش الإسرائيليّ الفلسطينيّين في غزّة. أدى ذلك الموقف الذي أثار سيلاً من الانتقادات داخل المعسكر الإسرائيليّ، إلى توتر العلاقات، ما دفع موغريني لإلغاء رحلة مبرمجة إلى القدس بعد رفض رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، مقابلتها. هذا الأخير، وبعدما وجد في شخص ترامب مدافعاً غيوراً عنه، لم يعد ينزعج من التصريحات الأوروبيّة، حيث لم يحدث حتى الآن أيّ تهديد ملموس في العلاقات السياسيّة مع إسرائيل لاتخاذ إجراءات عقابيّة في حقّها.
تباعد المواقف داخل الاتحاد الأوروبيّ بين بلدان قريبة من إسرائيل تقليديّاً مثل هنغاريا، بولندا، تشيكيا، سلوفاكيا (أو حتى ألمانيا التي لها دَين معنويّ يرتبط بماضيها النازيّ قادها إلى تبني تصوّر حول أمن إسرائيل بوصفه «جزءاً من المصلحة العليا للدولة الألمانيّة»، وفق تصريح ميركل في 24 أفريل/ نيسان الماضي)، وبين بلدان مثل الدنمارك والسويد أو إيرلندا التي تنتقد علانيّة الحكومة الحاليّة، يصعّب إنتاج موقف متجانس وحازم يدين الجرائم الإسرائيليّة.
بعد تنازل أميركا بشكل كامل لمصلحة إسرائيل، يتعثّر دائماً أنصار فكرة اضطلاع أوروبا بدور الوسيط في الشرق الأدنى بنفس النقطة: ضرورة إيجاد اتفاق جامع لاتخاذ إجراءات قسريّة قابلة للتطبيق. لكن، وعلى رغم المكانة المميزة التي تحتلها إسرائيل ضمن السياسة الاقتصاديّة الأوروبيّة، حيث تمثّل الشريك التجاريّ الأوّل مع الاتحاد، فإنّ التعاطف مع حكومة نتنياهو في انحدار مستمر، وهو توجّه يمكن أن يكون له تأثير على المدى الطويل.
في سياق تاريخيّ مختلف، كان أحد العوامل المحدّدة في إضعاف نظام «الأبارتايد» في جنوب أفريقيا هو فقدان الحكومات الحليفة ثقتها تدريجاً في مستقبل النظام العنصريّ، خصوصاً تحت تأثير تشدّد الرأي العام وقطع العلاقات. وإن كان يوجد في حالة إسرائيل تباعد ملموس بين النخب السياسيّة والرأي الأغلبيّ، إلاّ أنّ التفاقم الحتميّ للصراع في فلسطين لن يكون بلا آثار على صورة إسرائيل الملطّخة لدى الرأي العام، ولكن أيضاً على موقف النواب الذين يواجهون ضغوطاً للخروج من عبثيّة خطاب «الاستخدام غير المتناسب للقوّة».
في 14 أيار/ماي الماضي، أجرى «المعهد الفرنسيّ للرأي العام» بطلب من «اتحاد طلبة يهود فرنسا» استطلاع رأي حول «الفرنسيّين و70 عاماً على قيام إسرائيل»، قام المؤرخ والصحافيّ الفرنسيّ دومينيك فيدال بتحليله على موقع «ميديا بارت»، وبيّن تدهور صورة إسرائيل المستمر في صفوف الرأي العام الفرنسيّ. ولخّص الصحافيّ نتائج سبر الآراء في التذكير بأنّ «57 في المئة من المستجوبين يحملون صورة سيّئة عن إسرائيل، 68 في المئة منهم لدى الفئة تحت 35 عاماً؛ و69 في المئة يحملون صورة سيّئة عن الصهيونيّة، 74 في المئة منهم لدى الفئة تحت 35 عاماً؛ و71 في المئة يعتقدون أنّ إسرائيل تتحمل مسؤوليّة ثقيلة على غياب التفاوض مع الفلسطينيّين، 68 في المئة منهم لدى الفئة تحت 35 عاماً؛ و57 في المئة يرون أنّ إسرائيل تمثّل تهديداً لاستقرار المنطقة، 63 في المئة منهم لدى الفئة أقلّ من 35 عاماً».
على رغم كثافة الجهود المبذولة منذ عام 2000 في حرب المعلومات التي تخوضها إسرائيل لتغيير صورتها، فإنّ أثرها يزداد محدوديّة. في كتاب «حرب إسرائيل الإعلاميّة الجديدة» (لاديكوفارت، 2009)، يظهر الصحافيّ الفرنسيّ دينيس سييفر، مدى تلك الهجمة الإعلاميّة (غير المنفصلة عن استراتيجيّة إسرائيل السياسيّة ـــ العسكريّة) وحملة التضليل الإعلاميّ لتجريد الشعب الفلسطينيّ من إنسانيّته وفبركة تهديد إرهابيّ يضفي شرعيّة على القمع الشرس ويخفي معاناة الشعب الفلسطينيّ. وقد ساهمت تلك الحرب الإعلاميّة القويّة لمدة طويلة في انتاج جهل اجتماعيّ بفلسطين. اليوم، وفي مواجهة الانتفاضة الشعبيّة السلميّة التي تمثّل أحد الأشكال الرئيسيّة لمقاومة الاحتلال، صار الرأي العام الغربيّ يرى أفعال إسرائيل الإجراميّة ومجازرها في حقّ مدنيّين عُزّل باسم الخطر الوجوديّ على أنّها «غير معقولة» و«غير قابلة للتبرير»، وهذا بالضبط ما يقود إلى التجريم المتنامي للنقد الموجّه تجاه إسرائيل والسعي نحو المماثلة بين معاداة الصهيونيّة ومعاداة الساميّة.