تصدر السلطات البحرينية، اليوم، حكمها على الشيخ علي سلمان، في قضية تَسِمها الغرابة والكيدية، أساسها مبادرة أميركية - خليجية لحلّ الأزمة، كان بيت الحكم شريكاً فيها، واتُهمت المعارضة بالاستجابة لها! أدلة كثيرة يمكن إيرادها على تهافت هذه القضية واندراجها في إطار الصراع مع قطر والانتقام من المعارضة، لكن في ظل إصرار النظام على الفبركة، وتطنيش رعاته الدوليين حقيقة ما يدور، ينفتح المشهد البحريني على سيناريوات سوداوية، خصوصاً إذا ما حُكم على الشيخ بالإعدام.

«المُتهم بريء حتى تثبت إدانته». قاعدة قانونية يحفظها الجميع. لكن ماذا لو لم يكن هناك متهم أو قضية من الأساس؟ هذه هي حال الشيخ علي سلمان، أمين عام جمعية «الوفاق» البحرينية المعارِضة، أبرز جمعية سياسية في البلاد، وصاحبة أكبر كتلة برلمانية مستقيلة احتجاجاً على قمع السلطات انتفاضة 14 شباط/ فبراير 2011، واستعانتها على ذلك بما تسمى «قوات درع الجزيرة». انطلاقاً من تلك المحطة تحديداً، بدأت فصول جديدة من الحراك الشعبي توازياً مع حراك من نوع آخر، إقليمي ودولي، عنوانه طرح مبادرات لاحتواء الأزمة. ومن بين الأطراف التي تقدمت للعب هذا الدور دولة قطر، التي حاولت التوسّط بين السلطة والمعارضة في آذار/ مارس 2011، بموافقة ملك البحرين، حمد بن عيسى آل خليفة، ومتابعته ودعمه. لكن، ولسخرية الأقدار، تحوّلت هذه المبادرة إلى تهمة يُحاكم على أساسها الشيخ سلمان، لتكون بذلك «أغرب محاكمة» في تاريخ القضاء البحريني.
تقرير «اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق»، والمنتدبة من حاكم البحرين، وثّق مجريات المبادرة القطرية وأطرافها، مبيّناً أنها اقتُرحت ابتداءً من قبل الولايات المتحدة الأميركية التي أوفدت وزيرةُ خارجيتها آنذاك، هيلاري كلينتون، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فليتمان (وثيقة رقم 1)، إلى المنامة، كجزء من جهود وساطة وافق رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية (سابقاً)، حمد بن جاسم، على أن يكون راعياً لها، فيما مثّل السعودية وزير خارجيتها الراحل سعود الفيصل. باشر بن جاسم دوره بإجراء محادثات هاتفية مع الشيخ سلمان، مرة أثناء وجود الأول مع فيلتمان، وأخرى أثناء وجوده مع ملك البحرين نفسه. وتؤكد المعلومات المتوافرة لـ«الأخبار» أن السلطات البحرينية فرضت رقابة على الاتصالات بين المعارضة وأفراد السلك الدبلوماسي العاملين في المبادرة من دون أي سند قانوني رسمي يوضح أسباب هذه الرقابة، ليكون ذلك هو الخرق الأول في القضية. فهل يجرؤ القضاء البحريني، مثلاً، على استدعاء هيلاري كلينتون ومساعدها جيفري فيلتمان للإدلاء بشهادتيهما؟ أو هل يستطيع استدعاء حمد بن جاسم، الذي سبق لوزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة أن أثنى على دور بلاده «الإيجابي» في هذه المبادرة؟
يلفت المستشار القانوني البحريني، إبراهيم سرحان، إلى أن القضاء البحريني يستند في قضايا المعارضين السياسيين إلى شهود سريين، مضيفاً أن قضية الشيخ سلمان لم تُستثنَ من هذا الاستناد. ويشير سرحان، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن هيئة الدفاع طالبت بالاستماع إلى شاهدَين سريين - ادعى القضاء وجودهما - معاً بعد تضارب شهادتيهما، إلا أن المحكمة رفضت الاستجابة لهذا الطلب طيلة الجلسات الثماني الماضية على رغم كونه قانونياً. ويتابع أنه لم يكن هناك إلا شاهد واحد هو عبد الله الحويحي (عضو تجمع الوحدة الوطنية)، والذي زعم أمام المحكمة أنه سمع في شكل مباشر من الشيخ سلمان أنه سوف يستنجد بتدخلٍ إيراني (وثيقة رقم 2)، لكنه عاد ونفى في تصريحات صحافية ما شهد به، «وألقى بالكرة في ملعب زميليه في التجمع، الشيخ عبد اللطيف المحمود، والشيخ ناجي العربي»، وكان هذا أكبر خلل في شهادته (وثيقة رقم 3). وبموازاة ذلك، قدم أستاذ القانون الدولي، شبلي ملاط، شهادة مكتوبة إلى المحكمة (وثيقة رقم 4) بصفته مبعوثاً من فيلتمان إلا أن المحكمة رفضت الأخذ بها. ويؤكد سرحان أن قضية الشيخ سلمان تضمّنت 118 دفعاً قانونياً، هي بمثابة أدلة على براءة الشيخ من هذه التهم الكيدية.

مكالمات مزوّرة... ووثائق مسروقة
بعد سبع سنوات على إطلاق المبادرة، وعقب اندلاع الأزمة الخليجية، عرض «تلفزيون البحرين» الرسمي مقاطع من مكالمات هاتفية بين الشيخ سلمان ووزير الخارجية القطري السابق. وبحسب ما تفيد به المعلومات المتوافرة لـ«الأخبار»، فإن المكالمات الأصلية امتدت لساعات بين الشيخ سلمان وآل ثاني، وتضمنت نقاشات في شأن الأزمة السياسية. لكن المحكمة رفضت طلب هيئة الدفاع نشر المكالمات كاملة، أو عرض النسخة الأصلية الموجودة لدى الأجهزة الأمنية التي قامت بتسجيلها. وفيما أكّد خبراء في الاتصالات قاموا بتحليل المكالمات المنشورة وجود تلاعب فيها (وثيقة رقم 5)، فنّد الشيخ سلمان بنفسه مزاعم القضاء في 45 ورقة، إلا أن إدارة سجن جو أقدمت على سرقة هذه الوثائق قبل وصولها إلى يد هيئة الدفاع، وقد رفضت المحكمة لاحقاً مساءلة إدارة السجن عن الوثائق المسروقة. وقائع تؤكد جميعها أن ثمة اختلاقاً لقضية من لا شيء، بغرض سياسي يندرج في إطار الصراع مع قطر، وكذلك العمل الانتقامي المتواصل من المعارضة والذي شكّلت لحظة مقاطعة الدوحة فرصة مناسبة لتصعيده.
مدير منظمة «حقوق الإنسان أولاً»، برايان دوللي، حذر السلطات البحرينية، على أعتاب المحاكمة المنتظرة اليوم، من اتخاذ «قرار غبي ومروع» من مثل الحكم بإعدام الشيخ سلمان أو سجنه لسنوات أخرى، داعياً سفراء الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى إلى زيارة الشيخ، والقول علناً: «إن ما نراه هنا عملية زائفة لا تطابق المعايير القانونية الدولية». ونبّه دوللي إلى أن حكم الإعدام «سيكون بمثابة كارثة كبيرة تضاف إلى سجل البحرين الفظيع في مجال حقوق الإنسان»، مضيفاً أن الحكومة «تذهب في اتجاه خطير للغاية». بدوره، أكد البرلماني السابق، جواد فيروز، أن السلطات تستهدف الشيخ سلمان «بقضية كيدية، وتصرّ على اعتماد أدلة ظنية مفبركة»، معتبراً ذلك دليلاً على «غياب الاستقلالية والنزاهة في القضاء البحريني».