مرة أخرى تؤكد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة رفضها وتصديها لمحاولة فرض العدو معادلات تطلق يده في العدوان على القطاع، وتحول دون مواصلة الشعب الفلسطيني خياراته النضالية الشعبية. وهي ترجمت هذا الموقف بالرد الصاروخي المدروس على قصف الطيران الحربي الإسرائيلي مواقع المقاومة بهدف كبح الطرف الفلسطيني عن مواصلة إطلاق الطائرات الورقية الحارقة باتجاه مستوطنات غلاف غزة.

جسَّد تكتيك إطلاق الطائرات الورقية إبداعاً فلسطينياً جديداً في سياق حركة الانتفاضة الشعبية، بموازاة «مسيرات العودة». في البداية تعامل معها العدو باستخفاف، ثم تطورت وتحولت إلى عبء على المستوطنين، وهو ما أوجد حالة من قلة الارتياح المتواصلة، واستنزافاً ليس للأجهزة الأمنية التي بات عليها أن تكون طوال الوقت مستعدة لمواجهة الأسوأ، بل أيضاً بالنسبة إلى المستوطنين الذين تلتهم النيران حقولهم، ويتخوفون من العبوات الناسفة التي تُلقى من القطاع بواسطة الطائرات الورقية.
نتيجة ذلك، وجد العدو نفسه أمام تحدٍّ لم يتمكن حتى الآن من اجتراح رد فعال عليه. وبات الواقع المتبلور بفعل «مسيرات العودة»، وبعدها «الطائرات»، يتذبذب بين الهدوء والمعركة العسكرية. ويتخوفون في تل أبيب أيضاً من أن يتطور هذا المسار لاحقاً باتجاه ما هو أخطر، كما حدث مع الصواريخ التي بدأت متواضعة ثم تحولت إلى صواريخ تدك العمق. هذا الواقع فرض على المؤسستين السياسية والأمنية في تل أبيب عدم تجاهل مواصلة إطلاق هذه الطائرات التي يبدو أنها بدأت التطور سريعاً إلى حالة تفرض نفسها على المستوطنين. مع ذلك، دخلت الحسابات والمزايدات الداخلية الإسرائيلية كعامل ضغط إضافي على مؤسسة صناعة القرار السياسي.
وكما هي العادة في كل مرة تتعلق القضية بجنوب فلسطين المحتلة، يبرز الصوت اليميني المتطرف، ممثلاً برئيس «البيت اليهودي»، وزير التعليم نفتالي بينت، الذي وصف الواقع الذي تشكل في المستوطنات الجنوبية بأنه لا يحتمل، نتيجة احتراق آلاف الدونمات، والقول إن هناك خطراً فعلياً يتهدد العائلات في تلك المنطقة. كذلك، رأى عضو المجلس الوزاري المصغر (الكابينت)، القائد السابق للمنطقة الجنوبية، يوآف غالانت، أن مطلقي الطائرات الورقية «مخربون يستخدمون أدوات قتل».

مع أن العدو زاد اعتداءاته، فإنه لا يحشر فصائل المقاومة لرد دراماتيكي


من الواضح أن إسرائيل لا تستطيع التكيف مع هذه الأدوات النضالية، وتبقى مكتوفة الأيدي، لأكثر من سبب داخلي وردعي. في المقابل، لم تنجح سياسة التلويح والرسائل في ردع الفلسطينيين عن هذا المسار. وهكذا، وجد العدو نفسه مرة أخرى عندما تضيق خياراته مدفوعاً إلى محاولة فرض معادلاته بالطائرات الحربية. مع ذلك، يلاحظ أنه حاول حتى مع ارتقاء اعتداءاته أن لا يحشر فصائل المقاومة لرد دراماتيكي للأسباب نفسها التي لجمته نهاية الشهر الماضي، عندما ردت حركة «الجهاد الإسلامي» على قتل عناصرها.
هكذا، ما زالت الاعتبارات الإسرائيلية تتراوح بين إدراك محدودية خياراتها وقلقها من الأثمان المؤلمة التي سوف تترتب على أي تصعيد دراماتيكي، إضافة إلى أولوياتها المتركزة على جبهات أخرى. ولدى مقاربة الخيارات الإسرائيلية في مواجهة القطاع، عادة ما يحضر القلق من التدحرج نحو مواجهة واسعة تؤدي إلى انهيار كامل أجهزة الحكم الفلسطينية والتعرض لسيناريوات أسوأ كثيراً، مثل الاندفاع نحو محاولة احتلال شامل للقطاع، والغرق مجدداً في هذا المستنقع الذي سيتحول إلى عامل استنزاف بشري وأمني وسياسي. وعلى هذه الخلفية، حاولت إسرائيل باعتداءاتها الجوية أن تضع المقاومة أمام خيارين: إما الكف عن مواصلة النضال الشعبي وعن تطوير وسائله، وإما استمرار تلقي الضربات في مقابل كل مبادرة في هذا الإطار.
في المقابل، أتى رد المقاومة الفلسطينية الموزون لمنع العدو من فرض معادلات الرد بالطائرات الحربية والاعتداءات الصاروخية على الحراك النضالي الشعبي، وتحديداً الطائرات الورقية، بهدف فرض خطوط حمر على ردوده العدوانية في مواجهة استمرار هذا المسار النضالي. ورفع رد المقاومة الفلسطينية مستوى القلق لدى المؤسسة الأمنية حول المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الفصائل في ردودها. وعلى هذه الخلفية، يجرون تقديرات وضع في كل المستويات من أجل دراسة هل بالإمكان مواصلة سياسة إطلاق النيران. ومما أقلقهم أيضاً ملاحظتهم أن هناك نمط عمل جديداً لدى هذه الفصائل في الرد على الهجمات الإسرائيلية، ما يعني عملياً ضرورة الاستعداد لإمكان الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
في ظل تكرار هذا النوع من التطورات الميدانية، توالت المؤشرات على ارتفاع مستوى القلق في تل أبيب من سيناريوين: الأول التدحرج نحو مواجهة تسعى إلى تجنبها على الجبهة الجنوبية، والثاني سيناريو الانكباح الذي يؤدي إلى تآكل قدرة الردع. لكن المشكلة أيضاً أن هذين السيناريوين ذاتهما يحضران لدى المقاومة التي تتحرك في المساحة الفاصلة بينهما، سواء في موقع المبادرة الابتدائية أو الرد على الاعتداءات.