غزة | لا حل واضحٌ في الأفق الإسرائيلي أمام الحرائق المتواصلة في «غلاف غزة»، فلا نية لخوض مواجهة واسعة تُفتتح بسلسلة اغتيالات، ولا قرار أيضاً بفك الحصار عن القطاع أو تخفيفه إلى الحدود المقبولة فلسطينياً، وهو نفسه الهامش الضيّق الذي يعمل فيه المصريون، مصطدمين أيضاً بجدار الرفض في رام الله اتجاه التسهيلات لحياة الغزيين. لكن الثابت الوحيد أن المقاومة لن تصمت على القصف بل إن الرد سيكون «فورياً وموضعياً».

لا يزال «الخط الساخن» بين حركة «حماس» والقاهرة فعّالاً، خصوصاً أن القصف الصاروخي المتبادل بين المقاومة والعدو الإسرائيلي صار أقرب إلى حالة يومية في ظل إصرار الأخير على ترسيخ معادلة التصدي للطائرات الورقية والبالونات الحارقة برد عسكري (قصف صاروخي لمواقع المقاومة ومحاولات اغتيال)، وهو ما دفع جهاز «الاستخبارات المصرية» إلى التأكيد للحركة أن مصر ستواصل تحسين الوضع في قطاع غزة، وأن مرحلة «التضييق» انتهت.
وبعدما بات قرار السلطات المصرية تمديد العمل على معبر رفح البري حتى عيد الأضحى المقبل نافذاً، قالت مصادر مطلعة لـ«الأخبار» إن الوعود بتحسين الوضع الاقتصادي تكررت، لكن وجهة النظر داخل «حماس» ترى أن مصر لم تقدم حلولاً متكاملة بعد، بخاصة في ملفات مثل المصالحة وإيقاف العقوبات التي تفرضها السلطة الفلسطينية، وأيضاً ملفي المخطوفين والكهرباء. ووفق المعلومات، قال المصريون إنهم يسيرون تدريجاً وفق الاقتراحات المُقدمة من الأمم المتحدة لكن العائق يتمثل في جانبين: الأول أن رام الله لا تزال ترفض أي تسهيلات لغزة وترى فيها «طريقاً لإنشاء دولة» فيها، والثاني أن إسرائيل لم تتخذ - على رغم الاجتماعات الوزارية الأخيرة في تل أبيب - قراراً واضحاً في شأن غزة، وذلك في ظل معارضة متمثلة بوزير الأمن أفيغدور ليبرمان، الذي يرفض إجراء أي تحسينات من دون مقابل. مع ذلك، قالت الحركة للمصريين إنها جاهزة للدخول في «صفقة شاملة» تضم ملف الجنود الإسرائيليين الأسرى، إضافة إلى إقامة ميناء ومطار خاصين بالقطاع. وبينما لم تقدم القاهرة أي تعهد في شأن رفع عقوبات السلطة، فإنها وعدت بالتواصل مع جهات عربية لم تذكر منها سوى الإمارات، وذلك للبدء بمشاريع إنسانية لمساندة الغزيين. أما نقطة الخلاف الأساسية، فكانت «الانزعاج المصري» من التقارب الحمساوي ــ الإيراني، خصوصاً أن «مسيرات العودة» في يوم الجمعة الأخير من رمضان الماضي حملت اسم «يوم القدس العالمي»، وهو ما أظهر - كما يقول المصريون - أن المسيرات مموّلة من الإيرانيين، الأمر الذي يتطابق مع الرواية الإسرائيلية.

زادت المقاومة عدد الصواريخ التي ردت بها على الاعتداء الإسرائيلي


ميدانياً، واصل العدو سياسته الجديدة بالرد على مطلقي البالونات والطائرات الحارقة، إذ شنّت الطائرات الحربية أمس 25 غارة على مواقع متفرقة في القطاع، فيما ردت المقاومة بإطلاق أكثر من 45 صاروخاً على مستوطنات «غلاف غزة»، وذلك على خلاف قبل يومين، حينما ردت المقاومة بصورة طفيفة (3 صواريخ فقط). وطبقاً لمصادر تحدثت إلى «الأخبار»، لم تفكّ المقاومة الاستنفار في صفوفها منذ التصعيد الأخير قبل نحو أسبوعين، مع أنها لا تتوقع حدوث مواجهة واسعة في المرحلة المقبلة، على رغم أنه «لا ضامن مصرياً أو دولياً من هكذا اعتداء». وتضيف المصادر أن قيادة المقاومة قررت «استمرار استنزاف العدو على الحدود»، إضافة إلى «تثبيت سياسة الرد المباشر والموضعي على القصف الإسرائيلي»، وذلك بعد مرور شهور طويلة على سكوت المقاومة عن اعتداءات من هذا النوع، لكنها شددت على أنها لن تسمح بتمرير أي عمليات اغتيال من دون رد أعلى مستوى. وفي شأن «مسيرات العودة»، أكدت المصادر نفسها قرار الفصائل باستمرار البحث في تطوير الأساليب جراء انخفاض الأعداد المشاركة فيها.
في المقابل، شهد الإعلام العبري حملة تصعيد كبيرة اتجاه سياسة الجيش المستجدة مع غزة، إذ رأى محلل الشؤون العربية في موقع «والا»، آفي يسسخاروف، أن «إسرائيل حاولت إيصال رسالة جديدة إلى حماس لكنها تلقت إجابة أقسى»، مضيفاً أن «إطلاق أكثر من 40 صاروخاً في ليلة واحدة، رداً على استهداف موقعين أو ثلاثة في القطاع، يعتبر رسالة قاسية وتحمل معاني واضحة». وفي دعوة غير مباشرة للتصعيد، قال يسسخاروف إن «التصعيد الحقيقي سيحدث في حال قرر الكابينت (المجلس الوزاري المصغر) إعطاء تعليمات للجيش باستهداف مطلقي الطائرات الحارقة مباشرة بدلاً من استهداف مواقع حماس». أما صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فرأت في تقرير أمس، أن «معادلة حماس الجديدة تعني إطلاق الصواريخ فوراً بعد أي هجوم إسرائيلي على القطاع»، مضيفة أن الحركة «تعتقد أن إسرائيل ليست مهتمة بحرب في الجنوب لذلك أطلقت سياسة غير مسبوقة لإطلاق صواريخها مباشرة بعد كل ضربة جوية في غزة».
في غضون ذلك، أعلنت فصائل المقاومة الفلسطينية، في بيان مشترك يصدر للمرة الثانية خلال أقل من شهر، مسؤوليتها عن «استهداف سبعة مواقع عسكرية إسرائيلية في غلاف غزة بعدد من الرشقات الصاروخية رداً على العدوان الإسرائيلي». وشدد البيان الصادر عن «الغرفة المشتركة»، على «معادلة القصف بالقصف... لن نسمح للعدو بفرض معادلاته العدوانية على شعبنا ومقاومته»، محذرة بأن «قيادة العدو ستتحمل المسؤولية الكاملة عن أي عدوان». وأشار البيان إلى أن «الجاهزية العالية والرد الفوري المنسّق والانضباط الكبير هو خير دليلٍ على أن مقاومتنا الحرة إذا قالت فعلت».
في سياق آخر، أعلن المستشار الإعلامي لـ«وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا)، عدنان أبو حسنة، أن المفوّض العام للوكالة، بيير كرينبول، لم يتخذ أي قرارات في شأن تقليص الخدمات المُقدّمة إلى اللاجئين، وذلك بعد يوم على تصريح لمنسق الأمم المتحدة لـ«عملية السلام» في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، حذّر فيه من تقليص «الأونروا» خدماتها ومساعداتها، وأيضاً من التأخير في صرف رواتب موظفيها. لكن أبو حسنة، الذي كان يتحدث لموقع محلي، لم ينفِ العجز الكبير الذي تعاني منه الوكالة، خصوصاً بعد تجميد الولايات المتحدة في كانون الثاني الماضي صرف 125 مليون دولار لها، مشيراً إلى أن «الأونروا» استطاعت تقليص العجز من 446 مليون دولار إلى 256 مليوناً.