لا تكفّ قيادات تحالف العدوان على اليمن ووجوهه عن تأكيدها وجود «خطة» لـ«تحرير» مدينة الحديدة. «خطة» لا تفتأ تتبدّل معالمها من يوم إلى آخر ومن تصريح إلى ثانٍ، شأنها شأن الإعلانات المتكررة عن السيطرة على منشآت ومناطق. هو تخبّط واضح يَسِم مسار الهجوم الإماراتي - السعودي على الحديدة التي لم تعد التوقعات بتحوّلها إلى مستنقع يبتلع الغزاة مقتصرة على جبهة المقاومة، إنما باتت تأتي من مراقبين محايدين يؤكدون أن «الحوثيين سيقاتلون حتى الرمق الأخير». منذ خمسة أيام متواصلة، تتمسّك جبهة «التحالف» بإعلان إماراتي مستعجَل عن «تحرير مطار الحديدة»، لكن تحمّسها لهذا الإعلان بدا خافتاً خلال الساعات الماضية مع العجز عن بثّ مشاهد جديدة من داخل المطار، وحديث المصادر العسكرية الموالية للرياض وأبو ظبي عن «خطة لتأمين المطار» قبل الانطلاق نحو أهداف أخرى، ما يعني اعترافاً ضمنياً بأن لا سيطرة لقوى العدوان على هذا المرفق.

اللافت أن المصادر، التي تحدثت أمس إلى وكالة «رويترز»، أتبعت الكلام عن «تأمين المطار» بالإشارة إلى أن «الخطة» المفترضة تقتضي «التقدم على الطريق غير الساحلي من بيت الفقيه للسيطرة على الطريق السريع المؤدي إلى صنعاء وكذلك طريق حجة». تصريح يجلّي التضعضع في حسابات «التحالف»، الذي ربّما تحمله الخسائر الكبيرة لميليشياته على أعتاب مطار الحديدة - من دون نتيجة تستحق الذكر - على اللجوء إلى خطة بديلة من السعي لبلوغ الميناء عبر المدينة. لكن إذا كانت الضربة النوعية التي وجّهتها القوات اليمنية إلى بارجة إماراتية بداية الهجوم قد دفعت أبو ظبي والرياض إلى العدول عن فكرة الإنزال البحري للوصول إلى الميناء، وإذا كانت المقاومة الشرسة التي ووجِه بها المرتزقة في مطار الحديدة أفهمتهم أن فكرة القتال داخل المدينة تبدو أشبه بالعمل الانتحاري، فماذا سيكون مصيرهم إذا قرروا سلوك طريق غير ساحلي لا تزال الكلمة العليا فيه لـ«أنصار الله»؟
لا يكاد يمرّ يوم، منذ انطلاق الهجوم على الحديدة الأسبوع الماضي، من دون أن يعلن الجيش واللجان تكبيدهما الغزاة والمرتزقة خسائر بشرية ومادية على طول الطريق الممتدة من حيس إلى الدريهمي. وآخر ما أعلنته القوات المشتركة في هذا السياق، هو الأنباء التي أوردتها وكالة «سبأ» التابعة لسلطات صنعاء، أمس، عن «تدمير 28 آلية ومدرعة خلال تصدي الجيش واللجان لمحاولات تقدم شمال الدريهمي»، وكذلك «تدمير آليتين عسكريتين في منطقتَي المشيخي والمجيليس (في مديرية التحيتا)» بعد استعادة الجيش واللجان سيطرتهما عليهما، و«ثلاث أخريات في منطقة الجبيلة»، ومثلها «جنوب دوار المطار». وقائع يُضاف إليها استمرار قطع خطوط إمداد الميليشيات المدعومة إماراتياً، والذي توسّعت رقعته خلال الساعات الماضية على نحو بات معه «الحاجز بين القوات المهاجِمة شمالاً وخطوط إمدادها في الجنوب يُقدّر بحوالى 30 كلم» بحسب ما تفيد به مصادر مطلعة «الأخبار»، وهو ما «سيتيح للقوات المشتركة مجالاً أوسع لمواصلة تكتيكات استنزاف المهاجِمين» بتعبير المصادر نفسها. هذا الخناق، الذي يشتدّ ساعة بعد ساعة، يلخّصه مصدر عسكري تحدثت إليه «رويترز» بالقول: «الحوثيون يقطعون الطريق إلى الحديدة... ثم تتدخل طائرات الأباتشي الإماراتية لفتح الطريق. لكن بمجرد رحيلها يعود الحوثيون. إنها لعبة القط والفأر التي لا تنتهي».

حذرت الأمم المتحدة من خطر وصول القتال إلى المناطق الحضرية


اللعبة هذه تجعل «القوات المهاجِمة في وضع صعب ومأزوم، وفي حالة انهيار شبه كبير» على حد تأكيد المصادر التي تحدثت إليها «الأخبار». وعلى رغم أن الميليشيات المدعومة إماراتياً «لا تزال قادرة على التحرك عبر البحر لمدّ عناصرها بالمؤن، أو نقل الأفراد من وإلى الساحل»، إلا أنها «عاجزة عن نقل الأسلحة الكبيرة أو تنفيذ عمليات إنزال فعالة، وهي ستواجه مزيداً من الاستنزاف» طبقاً لما تجزم به المصادر، لافتة إلى أن «استخدام الجيش واللجان الصواريخ المضادة للدروع بكفاءة عسكرية عالية فاجأ الغزاة وأجبرهم على الهرب»، مضيفة أنه تم إلى الآن «تدمير 83 آلية عسكرية على أقل تقدير». وتعزو المصادر «تراجع حدة الاشتباكات يوم أمس إلى الإرباك الكبير الذي تعانيه القوات المهاجمة، بعد تكبدها خسائر فادحة في المدرعات والأرواح». إرباك لا يبدو أن لدى الإمارات وسيلة للتغطية عليه سوى تغريدات وزيرها، أنور قرقاش، الذي أعاد، أمس، مطالبته «أنصار الله» بـ«الانسحاب الكامل وغير المشروط من مدينة الحديدة»، مُكّرِراً الحديث عن أن «تحرير الحديدة يعجّل بتحقيق التسوية السياسية»، ومُجدِّداً القول إن بلاده «ستواصل الضغط العسكري حتى تحقيق أهدافها»، في «مؤشر على ذهابها نحو الانتحار الجماعي الذي سيوردها المهالك» على حدّ تعبير الناطق باسم «أنصار الله»، محمد عبد السلام، الذي أكد، أمس، أن «حملة العدو الإعلامية ارتدت عليه فضيحة تكفي لأن يعترف بهزيمته ويخرج من اليمن، قبل أن تكون الكلفة بما لا يتوقع». وأشار عبد السلام إلى أن «الهجمة الصبيانية لقوى العدوان» على الحديدة «فشلت فشلاً ذريعاً»، مضيفاً أن «القادم كفيلٌ بما هو أعظم».
في خضم ذلك، أعلن المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، في بيان، نيته «مواصلة مشاوراته مع جميع الأطراف لتجنب المزيد من التصعيد العسكري في الحديدة... والعودة بسرعة إلى المفاوضات السياسية»، معرباً عن ثقته بـ«أننا نستطيع التوصل إلى اتفاق»، في حين حذر المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، من أنه «إذا وصل القتال إلى مناطق حضرية فسيتعرض المدنيون لخطر أكبر».



صور «سكاي نيوز» مضلِّلة
بعد بثّها، قبل أيام، صوراً يتيمة من مطار الحديدة «تستحق اعتبارها الأغلى في العالم لما بُذل من أجلها من دماء» على حد تعبير ناشطين من جنوب اليمن، أعادت قناة «سكاي نيوز عربية» الكرّة مجدداً، ناشرة تسجيلاً مصوراً ادعت أنه من داخل المطار. لكن مصادر مطلعة من صنعاء أكدت، لـ«الأخبار»، أن «هذا الفيديو مضلِّل»، موضحة أنه تم تسجيله «في صالة مدمرة في إحدى الساحات الواقعة على الطريق الجنوبي الغربي للمطار». وأشارت المصادر إلى «عدم تمكن القناة من التقاط صور لمراسلها أمام الصالة الرئيسة أو لوحة تدلّ على المطار». وفي وقت بثّ الإعلام الحربي اليمني مشاهد جديدة تؤكد سيطرة الجيش واللجان على المطار، انتشرت على حسابات نشطاء من جنوب اليمن تعليقات ساخرة وهجومية ضد «التحالف» ووسائله الإعلامية. وجاء في أحد هذه التعليقات: «خسائر كبيرة من أجل الصورة، واستهتار بأرواح المقاتلين لم يسبق له مثيل في تاريخ الحروب... مع العلم أن المطار متوقف عن العمل منذ سنوات، ولا قيمة عسكرية له. مساحة كبيرة مزروعة بالألغام وعرضة للقصف والقنص».