سوريا التي كانت قبل حربها من أكبر مخازن القمح في العالم، حسب تصنيف منظمة «إيكاردا»، صارت اليوم تعاني من «أزمة قمح». ورغم أن الضوء لم يسلّط كثيراً على هذه الأزمة، فإنّها واحد من أكبر التحديات الاقتصاديّة. كانت سوريا تنتج نحو أربعة ملايين طن سنويّاً، وتُصدِّر قرابة مليون ونصف مليون من أجود أنواع القمح العالمي، لكنّها مع نهاية عام 2017 باتت تطمح إلى تجاوز حاجز الـ400 ألف طنّ فحسب، بفعل عوامل عدّة، من بينها الأحوال الطقسيّة، لكنّ أهمّها خروج مناطق كانت تزوّد البلاد بـ40 في المئة من الغلة القمحيّة السنويّة عن سيطرة الدولة السوريّة.

الخلل الأكبر في غلّة القمح اليوم يتعلّق بالقمح القاسي الذي تتصدّر إنتاجه محافظة إدلب، وتليها محافظة درعا، وتُشكّل مناطق «حوض اليرموك» الخاضعة لسيطرة تنظيم «داعش» ثقلاً خاصّاً على هذا الصعيد، فيما تتصدر الحسكة والقنيطرة إنتاج القمح الطري. ما زالت التوقعات الحكومية متفائلة بإنتاج يناهز مليوني طن لهذا العام، لكن حتى في حال تحقُّق هذه التوقعات ستبقى الفجوة كبيرة، خاصة مع الحاجة إلى تعويض مخزون القمح الاحتياطي الذي كان يقارب ثلاثة ملايين طن، واستُنزف كسلاح ضد الدولة السورية عند خروج الصوامع من سيطرتها.

خروج مناطق تزوّد البلاد بـ40% من الغلة القمحيّة عن سيطرة الدولة

«تقليص فاتورة شراء القمح» الجملة التي جاءت على لسان وزير الخارجيّة وليد المعلم في مؤتمره الصحافي مطلع الشهر الحالي لم تأتِ عبثاً. يتزامن هذا مع تزايد المؤشرات على دنوّ معركة تحرير درعا التي تحظى بأهميّة كبيرة على مختلف الصّعد. وعلاوةً على موقعها الاستراتيجي، وتعطيلها لواحد من أهم مسارات الترانزيت العالميّة بفعل خروجها عن سيطرة الدولة السوريّة، تعِد غلال القمح فيها بترميم نزف القمح السوري وتفعيل جهود الحدّ من تفاقم أزمته، بل وبدء إيجاد حلول لها. مناطق درعا الخارجة عن سيطرة الدولة تعرّضت لخسائر كبيرة في حصاد قمح حزيران هذا العام بسبب فأر الحقل من جهة، وتدنّي نسبة الأمطار من جهة ثانية. ومن المفارقات أن المنظمة المانحة والداعمة لمشروع الطحين في مناطق درعا الخارجة عن سيطرة الدولة (وهي منظمة «فاب» التابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة) كانت قد قررت إيقاف الدعم فجأة في شهر الحصاد، تاركة أبناء تلك المناطق في انتظار أزمة طحين قادمة لعدم توافر القمح الطري إلا في مناطق الدولة السوريّة. ويحظى قمح درعا، رغم أزمته الرّاهنة، بثقل اقتصاديّ سيكون في المستقبل كفيلاً بتخفيف العبء الاستيرادي الذي يضغط ماليّاً باستمرار، بالإضافة إلى صعوبات سبّبها الترصد الدولي لأي عملية دعم اقتصادي لسوريا بسبب العقوبات على الشعب السوري. وبفعل هذا التّرصد طفت على السطح قبل أيام مشكلة القمح المُصدّر من شبه جزيرة القرم إلى سوريا. أثارت أوكرانيا القضيّة على خلفيّة توقيع اتفاق يضمن تصدير قمح القرم إلى سوريا بواقع ثلاثة ملايين طنّ سنويّاً ولمدة ثلاثة أعوام. تخضع «شبه جزيرة القرم» بدورها لعقوبات اقتصادية، ولم ترَ مانعاً من التعامل مع دمشق التي تخضع لعقوبات مماثلة، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام إمكانيّة تحويل الاتفاق إلى عقد تبادلي تُسدد دمشق بموجبه ثمن القمح زيتوناً وزيت زيتونٍ وخُضَر. وهو اتفاق سيشكّل، في حال تنفيذه، واحدةً من أهم جرعات الإنعاش الاقتصادية الزراعية لسوريا، ولا سيما في ظل الكساد الذي يحيق بكثير من المحاصيل بسبب انخفاض أسعار شرائها في السوق الداخليّة إلى ما دون أسعار التكلفة، الأمر الذي دفع وحدة الأبحاث الاقتصادية الخاصة في «إيكونوميست» إلى التنبؤ بانخفاض يفوق 60 في المئة من حصة الزراعة من الناتج المحلي السوري نهاية عام 2019 اذا استمر الحال على هذا المنوال.