تعد معركة الجنوب السوري مستعرة، وإن كانت شكلاً هادئة، لم ينطلق فيها القتال الفعلي. الجماعات المسلحة، تفصيل وأداة في المعركة التي تتداخل فيها العوامل والحضور الإقليمي والدولي على السواء، الأمر الذي يدفع إلى قتال على عدة محاور، سياسي وعسكري، من الصعب تحديد مآلاتها، في ظل إصرار كل الأطراف على مواقفها المتعارضة.

في الوقت الذي تستعد فيه الدولة السورية لاستكمال الجاهزية العسكرية لتحرير الجنوب السوري من المسلحين، برعاية ودفع روسيين، تحذّر الولايات المتحدة مما تسميه انتهاك اتفاق خفض التصعيد في المنطقة الجنوبية، وهي العبارة التي تعني أميركياً، أنه لا يسمح للجيش السوري ببسط سيادته على الجنوب وطرد الإرهاب منه. هذا «التحذير» تقاطع مع تحذيرات إسرائيلية مشابهة، فعلية لا مجرد كلامية، وصلت إلى حد الطلعات الجوية التحذيرية في الجولان، التي تصب في خانة التهديد الأميركي وتعززه، مقابل إصرار روسي – سوري على مواصلة الجاهزية العسكرية، وأيضاً بدء القتال التمهيدي لتحرير الجنوب.
هل الإرادات المتعارضة تصل إلى حد المواجهة؟ من الصعب تقدير إمكان تحقق مواجهة دولية – دولية في الساحة السورية، رغم إمكان تقدير مواجهة إقليمية – إقليمية أو دولية – إقليمية. مواجهة كهذه واردة جداً إذا جاءت على شاكلة جولات قتالية مقلصة تهدف إلى ردع الجهة المقابلة عن أفعال ومبادرات ميدانية، من شأنها أن تغيّر الواقع الميداني وتكسر المعادلات من دون أن تصل إلى حدود المواجهة الكبرى أو تتسبّب بها.
الواضح أن الأميركيين والإسرائيليين، مع اصطفاف أردني إلى جانبهما، يسعيان إلى اتفاقات تراعي الحد الأقصى من مصالحهما، وتحديداً المصالح الإسرائيلية، في تفاهم يمنع لاحقاً أعداء إسرائيل من الوجود في الجنوب السوري مع طموحات تصل إلى توسيع هذا الاتفاق ليشمل أيضاً الوسط السوري، فيما المعلن إسرائيلياً، هو إخراج أعداء إسرائيل من كل الأراضي السورية، مع طموح أكبر، في حال انصياع الدولة السورية للشروط، نحو تقييدات للجانب السوري نفسه، لجهة إمكاناته العسكرية وانتشاره بما يشمل اتفاقاته السيادية مع حلفائه.
اتفاق كهذا، كاد أن يتبلور عملياً في الأسابيع الماضية، إلا أن فيتو الدولة السورية وضع حدّاً له، ومنعه من مباشرة مرحلة التنفيذ باتجاه تجميده وإلغائه، الأمر الذي أعاد كل الفرقاء إلى نقطة البداية، مع إعادة تفعيل وطرح الشروط والمطالب المتطرفة، مصحوبة بمساع للضغط السياسي والميداني، توطئة لفرض الشروط والشروط المضادة، وأحدها التحذيرات الأميركية والإسرائيلية من تحرير الجنوب السوري بلا اتفاقات مسبقة، مقابل التجهيز العسكري السوري لبدء المواجهة مع المسلحين.
وإذا كان الأكثر ترجيحاً، كما يتبيّن من التحضير والتجهيز العسكريين، إلى الآن، أن تقدم الدولة السورية على مواجهة متدرجة مع غلبة استراتيجية عمليات القضم للمناطق التي يسيطر عليها المسلحون، فيما تتعالى الأصوات وربما الأفعال المقابلة لمنع استمرار هذه العمليات، إلا أن المعركة الفعلية تبقى معركة إرادات بين محورين، يسعيان إلى أكبر قدر من المكاسب مع أقل أثمان ممكنة، وهي معركة يقودها العامل والتأثير الدولي، قبل الإقليمي، بالرغم من تداخل تأثيرهم وتفاوته. لا يبعد أن تكون نتيجتها، رغم الممانعة الإسرائيلية، بسط سيادة الدولة السورية على أراضيها، مع سلبياتها من جهة تل أبيب.
وترى الدولة السورية أنّ أي تفاهم يؤدي إلى بسط سيادتها على أراضيها هو تفاهم مطلوب لذاته، ومحبّذ قبل أي حراك عسكري. لكن من المتعذر على دمشق أن ترضى ببسط سيادتها على أراضيها عبر اتفاق يؤدي أيضاً إلى التنازل عن مصالح الدولة السورية، كثمن مقابل لحقّ سيادي لها. بسط السيادة على أراضيها لا يجب أن يتضمن التخلي عن مصالحها وحلفائها، المصدر الرئيسي لتعزيز قدراتها وثباتها في وجه أعدائها. في ذلك معان ترتبط بالرؤية الاستراتيجية لكامل الجغرافيا السورية التي لا يمكن معها المهادنة والتفريط بالحقوق وإعطاء المحور المقابل حقوقاً وشرعية وجود عسكري ونزع صفة الاحتلال عنه، الأمر الذي من شأنه أن يتيح للمحتل قضم السيادة السورية عبر سابقة التفاهم والاتفاقات.
من ناحية أميركا وإسرائيل، تعد المعركة على الجنوب فرصة، من الواضح أن تل أبيب تحديداً تتعامل معها على أنها فرصة استراتيجية، تحمل إمكانيات فرض ما يمكن من المصالح على الدولة السورية، علّها تعوض ما خسرته إسرائيل من الحرب السورية نفسها. فرصة تطمح من خلالها إلى اتفاقات تقيّد سيادة الدولة السورية على جزء كبير من أراضيها حاضراً ومستقبلاً، بعدما تعذر إسقاطها في الحرب، وذلك عبر إبعاد حلفائها عنها. لكن ما بين الإمكان النظري والإمكان العملي، فروق تتعزز أكثر في ظل ثبات الدولة السورية على مواقفها، كما حدث في الأسابيع الماضية، الأمر الذي منع حتى الحليف الأكثر قرباً لسوريا، من إمرار اتفاق لا يراعي مصالح دمشق بالكامل، وكما تراه هي، حتى وإن كان الثمن تأجيل تحرير الجنوب بالاتفاق، وتحريك الخيار العسكري الأكثر كلفة. من هنا تأتي التعليقات الإسرائيلية في الأيام الأخيرة التي تؤكد أن سيطرة الجيش السوري على المناطق الحدودية واقع لا بد منه ولا يمكن منعه، وهو نتيجة طبيعية للحرب نفسها وميزان القوى فيها، لكن على إسرائيل، بحسب التعليقات العبرية، القيام بكل ما يمكن كي تتجرد هذه السيطرة من العامل الإيراني واللبناني، بالقرب من الحدود.
مع ذلك كله، لا تزال المعركة السياسية في مرحلة الضغوط وتفعيل رافعاتها إلى أقصاها بين المحورين. لكن في حال التوجّه نحو تفاهمات جديدة، يمكن أن «يتعقل» المحوران أكثر، وخاصة المحور الإسرائيلي ــ الأميركي صاحب الشروط المتطرفة، بعد أن يدرك أن حدود القوة والقدرة على تفعيلها لا تسمح بفرض شروط متطرفة، ثبت أن الطرف الآخر لا يمررها أو يقبل بها. المعركة على الجنوب السوري بدأت ويتداخل فيها السياسي والعسكري، الدولي والإقليمي، ومن المتعذر تلمس وتقدير مآلاتها حالياً، إن كانت باتجاه معركة ومواجهة عسكرية، أو تفاهم بات واضحاً تعذّره إن لم يراع مصالح الدولة السورية وثبات موقفها... وكلاهما واردان.