لا تظهر شخصيّات من طراز إبراهيم الجضران إلاّ في المناخات المتوتّرة مثل التي تشهدها ليبيا. عرف الرجل على امتداد أعوام الصراع القليلة تحولات سياسيّة حملته من الموقف إلى نقيضه، وسمح له واقع تشتّت السيطرة الأمنيّة في مناطق شاسعة من البلاد البقاء على الساحة وشنّ مغامرات عسكريّة تحوّلت مع الوقت لخدمة أجندة خارجيّة تصبّ في بحر الصراعات الإقليميّة.


قصّة الجضران
مع بداية التوترات السياسيّة في البلاد، نجح الجضران (37 سنة) في تركيز نفسه قائداً لفرع المنطقة الوسطى من جهاز «حرس المنشآت النفطيّة»، حيث أطبق سيطرته بدعم من قبيلة المغاربة الكبيرة التي ينتمي إليها على منطقة الهلال النفطي وموانئها الأكبر في البلاد. حينها تبنى من الناحية السياسيّة توجهاً فيدراليّاً، وأعلن نفسه مدافعاً عن مصالح إقليم برقة (شرق البلاد)، فأوقف تصدير النفط وطالب بنصيب أكبر من الموارد.
احتفى بعض الفاعلين في شرق البلاد بالجضران، وأعلنوه بطلاً في مواجهة «الإخوان المسلمين» وحلفائهم، وساندوه في حربه مع قوى من غرب البلاد أدت إلى خسائر كبيرة في البنية التحتيّة للنفط. لكن الأمور سرعان ما تبدلت، بقي موقف الجضران غائماً من «عمليّة الكرامة» التي أطلقها خليفة حفتر منتصف عام 2014، خصوصاً مع بروز طموحه للعب دور سياسيّ أكبر بصفته «رئيس المكتب السياسيّ لإقليم برقة الفيدراليّ».
لاحقاً، سعى الرجل لشقّ طريق ثالث بين سلطتي البلاد، حيث حاول تصدير النفط لحسابه الخاصّ، ولم يحل دون ذلك سوى تدخل الجيش الأميركيّ الذي أوقف ناقلة في عرض البحر وأعادها إلى ليبيا. ومع انشغال قوى المنطقة الغربيّة في مقاتلة تنظيم «داعش» بمدينة سرت ضمن عمليّة «البنيان المرصوص»، بدأ حفتر في التشدّد مع الجضران، وفتح قناة تواصل خلفيّة مع قبيلة المغاربة. تحسّس الشاب الخطر القادم من الشرق، فأعلن ولاءه لحكومة «الوفاق الوطنيّ»، لكن في نهاية 2016 قام حفتر بخطوته الحاسمة: سحب المشير البساط من تحت الجضران، حيث استقطب أغلب قواته التي تبلغ حوالى 20 ألف مقاتل، وحظي بدعم قبليّ.

انتشر خبر عن هرب الجضران عن طريق البحر في اتجاه سفينة تركيّة


تغيّرت المواقف واختلطت الأوراق، وصار الرجل في رحلة البحث عن طريق للعودة حليفاً للإسلاميّين المتشددين المطرودين بدورهم من بنغازي.
اختفى الجضران عن المشهد، لكنّه بقي فاعلاً مهمّاً، حيث ساهم في هجومين على الهلال النفطيّ، تكلّل الثاني بداية العام الماضي بسيطرة على المنطقة دامت أقلّ من أسبوعين. لكنّ جهوده لم تكن محليّة فقط، حيث برزت صور له في تركيا، وتسربت معلومات عن تنسيقه مع زعيم حرب تشاديّ مقيم في قطر، لكن بعد شهر من الهجوم الثاني انتهى به الأمر معتقلاً لدى ميليشيات من مدينة نالوت وهو قادم من تونس.

الهجوم الثالث: البداية والنهاية
بعد القبض عليه في نالوت، اتضح أنّ الميليشيات التي تحتجزه لا تهتم بالسياسة قدر اهتمامها بالمال، حيث تسرّب أنّها مستعدة لتقديمه لمكتب النائب العام في طرابلس مقابل 7 مليون دينار ليبيّ، ويعني ظهوره مرّة أخرى أنّ شبكة علاقاته قد خدمته. الخطوة التالية كانت ترميم صفوف قواته وإنشاء تحالف عسكريّ للهجوم على الهلال النفطيّ مرّة أخرى.
نظريّاً، لا توجد في ليبيا مشكلة من ناحية التسليح، فالأسلحة منتشرة وهي متوافرة لمن يدفع مقابلاً جيداً، ولا توجد كذلك مشكلة في مناطق التمركز والتدريب، فالبلاد شاسعة وتسمح تناقضات الميليشيات المختلفة بهامش حركة للجميع. وإلى جانب قواته التي تبلغ حوالى 500 مقاتل، يشمل تحالف الجضران تشكيلات «سرايا الدفاع عن بنغازي» ومجموعة مرتزقة من قوات المعارضة التشاديّة وربما السودانيّة أيضاً، وتنتشر أخبار عن مساهمة قوات من قبيلة التبو تتبع موسى حسن.
المنطق السياسيّ للهجوم كان بسيطاً: عودة المُهجّرين من الهلال النفطيّ (جنود الجضران وعائلاتهم)، رفض هيمنة حفتر العسكريّة، وإعلان الولاء لحكومة الوفاق الوطنيّ المتركزة في طرابلس. توقع المهاجمون أنّ ذلك سيجلب لهم شرعيّة سياسيّة ودعماً من قبيلة المغاربة والفاعلين في غرب البلاد، وحاولوا إظهار اختلاف سلوكهم عن سلوك قوات حفتر من خلال إطلاق سراح الرهائن.
لكنّ المسألة لم تكن بتلك السهولة، فعلى رغم السيطرة السريعة على الأهداف، والانطلاق المبكّر في إعلان النوايا، أدت الأضرار في البنى التحتيّة للنفط (وإن كانت أصابع الاتهام فيها تتوجه أيضاً إلى قوات حفتر) إلى حالة من الغضب الشعبيّ والإدانة المحليّة والدوليّة، وبخلاف بعض الدعم الإعلاميّ من وسائل الإعلام القطريّة، لم يأت أيّ دعم يستحق الذكر.
في الأيام الأولى للهجوم، بدا الجضران مسيطراً على نحو كليّ، وبخلاف القصف الجويّ كانت قوات حفتر في تراجع وانهيار، حيث أُسرت بعض تشكيلاته العسكريّة على نحو مُذلٍ. حاولت سلطات شرق البلاد فضّ الصراع من خلال وساطات قبليّة، لكنّها لم تكن لترضى بغير انسحاب المهاجمين من دون شروط. في الأثناء تمّ حشد قوات من مختلف مناطق البلاد، وانطلق الهجوم فجر يوم الخميس الماضي من الشرق والجنوب، بينما أغلقت قوات من مدينة بني وليد طريق الانسحاب من ناحية الغرب.
تمّ هجوم الجضران بسرعة وانتهى كذلك بسرعة، حيث انهارت قواته بعد حوالي يومين، وبدأت عمليّة المطاردة. انتشر خبر عن هرب الجضران عن طريق البحر في اتجاه سفينة تركيّة، وأشارت أخبار أخرى إلى توجهه غرباً نحو مطار مدينة مصراتة، وهي أخبار غير مؤكدة. لكن المؤكد هو انسحاب قواته مع عتاد مهمّ استولت عليه بعد الهجوم، ومنها ذخائر ومعدات تحمل علامات مصريّة وإماراتيّة خلفتها قوات حفتر عند انسحابها. لكن قوات شرق البلاد تحظى بتفوّق من ناحية الجو، كانت آخر انجازاتها استهدافها أول من أمس قواتٍ تابعة لتحالف الجضران في محيط مدينة بني وليد بغارات أدت إلى قتل 42 وجرح 123 مقاتلاً وتدمير 22 عربة.