«الجيش اليمني والمقاومة الشعبية يواصلان تطهير مطار الحديدة». هذا ما أعلنه، أمس، المتحدث باسم تحالف العدوان على اليمن، تركي المالكي، خلال مؤتمر صحافي عقده في الرياض. إعلان لا يبدو مفهوماً في ظل حديث قيادة «التحالف»، منذ أكثر من أسبوع، عن أن مطار الحديدة بات تحت سيطرة ميليشياتها. لكن ذلك هو ما تقتضيه سياسة تمويه العجز المسيطر على معسكر الرياض وأبو ظبي على جبهة الساحل الغربي، تماماً مثلما تقتضي تغطية العمليات النوعية التي ينفذها الجيش واللجان عند الحد الجنوبي ادعاء «انتصارات» متكررة في محافظة صعدة، لن تكون آخرها مزاعم مقتل خبراء من «حزب الله» هناك. وفي وقت لا يكفّ فيه «التحالف»، مُمثَّلاً بالمالكي، عن التشدق بـ«خطط إغاثة إنسانية» لسكان الساحل وغيره، تتواصل الجرائم التي ترتكبها مقاتلاته بحق المدنيين، وجديدها في محافظة عمران حيث أودت مجزرة إضافية بحياة ما لا يقلّ عن 9 مدنيين.

وقال المتحدث باسم تحالف العدوان، أمس، إنه «تم استهداف 41 عنصراً إرهابياً في عقبة مران (في محافظة صعدة)، وتدمير عرباتهم ومعداتهم»، مشيراً إلى أن «من بين القتلى 8 عناصر من حزب الله اللبناني، أحدهم قيادي». وادعى أن هؤلاء كانوا ضمن مجموعة «متوجهة إلى قرب الحدود السعودية، وتم رصدهم ضمن عملية مراقبة من خلال المنظومات الاستخباراتية». وجاء حديث المالكي بعد ساعات على تنفيذ الجيش واللجان عملية نوعية ضد موقع مستحدث في منطقة نجران، أدت إلى مقتل عسكريين سعوديين اعترفت وكالة الأنباء السعودية الرسمية بثلاثة منهم. لكن بعض الحسابات السعودية على موقع «تويتر» تحدثت عن 9 قتلى جراء العملية، من بينهم ضابطان هما العقيد الركن هزاع الديحاني، والنقيب فهد العنزي، اللذان انتشرت صورهما على تلك الحسابات. وكان المتحدث باسم «أنصار الله»، محمد عبد السلام، أعلن نبأ العملية عبر «تويتر»، لافتاً إلى أنه تم خلالها «إحراق 3 أطقم عسكرية تابعة للعدو السعودي، وقتل عدد من جنوده». وبالنظر إلى ذلك التعاقب، يمكن فهم تصريحات المالكي بوصفها تبريراً لعجز القوات السعودية والميليشيات الموالية لها عن ردع الهجمات اليمنية على مواقعها الحدودية، على رغم ادعاءاتها المتكررة - منذ انطلاق معركة الحديدة - تحقيقها «تقدماً كبيراً وانتصارات مهمة» في محور صعدة، ضمن عملية سُمّيت «قطع رأس الأفعى». وهو ما جدّده المتحدث باسم «التحالف»، أمس، بقوله إن «الجيش اليمني يواصل تقدمه في صعدة»، متحدثاً في الوقت نفسه عن «عناصر إرهابية من حزب الله ومن النظام الإيراني تأتي لمساعدة المتمردين»، في تناظر مع تشديده عقب كل إعلان عن «اعتراض صواريخ في سماء المملكة» على أن «هذا الاعتداء يثبت استمرار تورط النظام الإيراني في دعم الميليشيات الحوثية بقدرات نوعية».
على جبهة الساحل، تواصل قيادة «التحالف» محاولاتها إغاثة قواتها المحاصَرة عبر البحر، توازياً مع تحشيد مستمر لمهاجمة منطقة الفازة في مديرية التحيتا، بهدف استعادة خطوط الإمداد التي كان الجيش واللجان قد سيطرا عليها هناك. لكن الميليشيات المدعومة إماراتياً لا تكاد تستطيع التقاط أنفاسها، في ظل استمرار القوات المشتركة في مهاجمتها وتنفيذ عمليات التفاف ضدها في الفازة والنخيلة والجاح، كان آخرها أمس في منطقة الفازة حيث أدى استهداف «آلية للمرتزقة إلى مصرع من كانوا على متنها». وبفعل تلك العمليات، تبدو مساعي أبو ظبي والرياض إلى الانعتاق من فكي الكماشة هذه بالغة الصعوبة، في وقت لا تزال المعارك متوقفة عند المدخل الجنوبي لمدينة الحديدة، في ظل عجز إماراتي - سعودي عن إنقاذ المقاتلين الموجودين على جبهتَي المطار وقرية منظر. واقع بدأت تداعياته تطفو إلى السطح في صورة اتهامات متبادلة بين «ألوية العمالقة» السلفية وبين الميليشيات التابعة لنجل شقيق الرئيس السابق بالمسؤولية عن حالة الاستنزاف الجارية على الشريط الساحلي، وكذلك حالة تململ في الأوساط الموالية لـ«التحالف» إزاء الخطة «غير المنطقية» التي ينتهجها الأخير في محاولاته السيطرة على الحديدة، وهو الذي كان فشل في تأمين مدينة صغيرة دخلتها قواته قبل أشهر هي حيس. وفي هذا السياق، يحذر بعض النشطاء الموالين لـ«التحالف» من أن «تأخر معركة الحديدة ستكون عواقبه وخيمة»، متوقعين «تكرار ما حصل في مدينة ميدي خلال الأعوام الماضية، وربما أسوأ من ذلك».
هذا الواقع الميداني المائل لغير مصلحة «التحالف» يُفترض - بالحسابات المنطقية - أن يشكّل عاملاً ميّسراً للمهمة المقبلة للمبعوث الأممي، مارتن غريفيث، في عدن، خصوصاً أن الاتحاد الأوروبي استبق هذه المهمة، أمس، برفدها بجرعة معنوية، عبر دعوته إلى وقف فوري لإطلاق النار، ومطالبته بأن «يكون ميناء الحديدة فعالاً في شكل كامل»، في موقف من شأنه - أقلّه شكلياً - دحض مزاعم الجبهة السعودية - الإماراتية عن «تفهم دولي لمعركة الحديدة». إلا أنه، وعلى رغم حديث قيادة «التحالف» ومسؤولي الحكومة الموالية له بإيجابية عن مبادرة غريفيث، يظلّ ذلك مقروناً باشتراط انسحاب «أنصار الله» من مدينة الحديدة كاملة وتسليمهم إياها لما تسمّى «الشرعية»، بحسب ما جدّد قوله أمس وزير الخارجية في حكومة الرياض، خالد اليماني. وهو ما من شأنه تعقيد مساعي الحل، وترك الباب مفتوحاً على خيارات جنونية لن يفلح «التحالف» بواسطتها إلا في زيادة معاناة المدنيين ورفع حصيلة ضحاياهم. «إنجاز» تجلّت آخر صوره، أمس، في مجزرة ارتكبتها المقاتلات السعودية في أحد الأحياء السكنية بمدينة عمران، مُتسبِبةً بمقتل 9 أشخاص، ثمانية منهم من أسرة واحدة، وجرح 14 آخرين.



مظاهر «داعشية» على الساحل الغربي
أقدم عناصر من «ألوية العمالقة» السلفية التي تقاتل تحت لواء «التحالف» على جبهة الساحل الغربي، أمس، على تدمير أجزاء واسعة من ضريح العلامة التهامي، أحمد الفاز، والواقع على ساحل مدينة زبيد في منطقة الفازة في مديرية التحيتا. وأفادت مصادر محلية بأن مسلحين من «العمالقة»، يقودهم المدعو رائد الحبهي، نسفوا قسماً كبيراً من ضريح الفاز والمسجد المقام عليه بذريعة أنه «من مظاهر الشرك». ويُعدّ ضريح الفاز، العائد إلى القرن السابع الهجري والذي شكل ملتقىً للعلماء، خصوصاً الصوفيين منهم أيام الدولة الرسولية، من أبرز المعالم التاريخية في محافظة الحديدة. ودانت وزارة الأوقاف في حكومة الإنقاذ واقعة التفجير، معتبرة إياها «جريمة تضاف إلى جرائم العدوان في استهداف تراث اليمن ومقدساته»، ومعبّرة عن أسفها لـ«صمت منظمة اليونسكو المخزي وتقاعسها عن مهامها في الحفاظ على التراث اليمني». والجدير ذكره، هنا، أن الجماعات المتشددة، الموالية لـ«التحالف»، أقدمت سابقاً على تفجير أكثر من 15 مسجداً وضريحاً، يعود عمرها إلى مئات السنين، في مناطق متفرقة من محافظتي تعز والحديدة.