قبيل ساعات من بدء المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، جولة جديدة من المشاورات الهادفة إلى وقف الهجوم على مدينة الحديدة، ألقت جبهة تحالف العدوان مجدداً ما تسميها «شروطها» لوقف النار وإعادة إطلاق قطار المفاوضات. شروط يبدو واضحاً أن إعلان التمسك بها، تزامناً مع زيارة غريفيث المرتقبة اليوم لمدينة عدن (جنوباً) حيث سيلتقي الرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي، يستهدف تصعيد الضغوط على «أنصار الله» وحملها على التنازل تحت طائلة «هجوم واسع» جديد بدأ الترويج له إعلامياً. لكن الصورة الميدانية تَظهر مغايرة تماماً لمقتضيات فرض شروط من هذا النوع، إذ إن الجيش واللجان أضحت لهما الكلمة العليا على الساحل الغربي، فضلاً عن تقدمهما على جبهات أخرى. وعليه، فليس أمام أبو ظبي والرياض، في حال إصرارهما على انسحاب «أنصار الله» من المدينة، سوى المضي في مغامرتهما التي ظهرت أول بوادرها أمس بمجزرة ارتُكبت ضد النازحين من الحديدة، وراح ضحيتها ما لا يقلّ عن 9 قتلى و12 جريحاً.

وكرّر وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، أمس، مطالبته «أنصار الله» بـ«الانسحاب السلمي من المدينة والميناء»، معتبراً «تأمين الحديدة خطوة أساسية نحو خاتمة سياسية»، مضيفاً أن «عملية سياسية بقيادة الأمم المتحدة ستنطلق مع قرار الحوثي تجنّب المواجهة». وفي الاتجاه نفسه، قالت وزيرة الدولة الإماراتية لشؤون التعاون الدولي، ريم الهاشمي: «(إننا) متفائلون ونؤمن بالعملية السياسية»، مستدركة بأنه «لا يمكننا تخيل وضع يكون فيه الحوثيون داخل المدينة». تصريحات لعلّها الأوضح، منذ انطلاق الهجوم على الحديدة في الـ13 من الشهر الجاري، في تجلية الأهداف الإماراتية، ومن ورائها السعودية، من المعركة، وفي الوقت نفسه ما تستبطنه تلك الأهداف من أوهام. تعتقد أبو ظبي أنه لم يبقَ لها لاستكمال السيطرة على سواحل اليمن سوى انتزاع الحديدة من أيدي «أنصار الله»، مُتخيلةً أن أي تسوية مستقبلية ستضمن لها حصة وازنة في الخريطة السياسية تخوّلها التحكم بمرافق هذا البلد مثلما كانت تفعل في جيبوتي (قبيل طردها منها). تتجافى الإمارات عن حقيقة أنها أصبحت المكروه رقم 2 لدى اليمنيين بعد السعودية إن لم تكن قد تقدمت على الأخيرة، وأن إفرازات 3 سنوات (منذ اندلاع الحرب) مارس فيها «التحالف» شتى أنواع الانتهاكات، ولم يستطع خلالها بناء جبهة متينة موالية له، لا يمكن شطبها ببساطة ومن ثمّ تلقّي أبو ظبي والرياض بالأحضان. وما التظاهرات المناوئة لوجود القوات الأجنبية، التي تشهدها محافظة المهرة هذه الأيام بدعوة وتنظيم من قِبَل قوى وشخصيات يُفترض أنها على مقلب «الشرعية»، إلا أوضح دليل على ذلك. على الضفة السعودية، ليس ثمة تطابق في النيات والغايات مع الحليف الإماراتي، لكن ولي عهد المملكة، محمد بن سلمان، الذي يريد الخروج من ورطته، لا يمانع تجريب خطط «مُرشِده» ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، أملاً في إرضاخ «أنصار الله» ولجمها، ومن ثمّ منحها فتاتاً سياسياً لا يسمح لها بممارسة دور مقرر في سياسات اليمن ورؤاه الاستراتيجية. في كل الأحوال، أزيح هدف السيطرة على صنعاء وإعادة «الشرعية» إليها من الواجهة، وباتت الحديدة - بالنسبة إلى الرياض - «قشة النجاة» التي لا مفرّ من التعلق بها.

تتوهّم الإمارات أنها ستستطيع التحكم بمرافق اليمن مثلما كانت تفعل في جيبوتي


تفترض الإمارات والسعودية أن إحاطة جولة غريفيث الجديدة بالتهويل قد يفلح في حمل «أنصار الله» على رفع الراية البيضاء، بعدما أخفقت هذه الاستراتيجية في تحقيق أهدافها بداية المعركة (لدى زيارة المبعوث الأممي لصنعاء). لكن الدولتين تبدوان في ذلك كمن يهدّد بما لا يملك؛ إذ إنهما لا تزالان عاجزتين عن فكّ الحصار عن قواتهما المستنزفة على الشريط الساحلي. ورغم الأنباء المتداولة عن تجهيز ثلاثة ألوية جديدة من أجل تلك المهمة، إلا أن لا شيء يضمن أن لا يكون مصير القادمين هو نفسه مصير من سبقهم إلى الفازة والدريهمي وغيرهما، حيث تواصل القوات المشتركة تنفيذ ضربات نوعية ضد المهاجمين، كان آخرها عملية لوحدة الهندسة العسكرية في الجيش واللجان في الدريهمي، أدت إلى مقتل قائد كتيبة وستة من مرافقيه، فضلاً عن تدمير ست آليات عسكرية متنوعة. استنزاف باتت «ألوية العمالقة» السلفية تعترف به مبطناً، بقولها إن «الميليشيات الحوثية تحاول بشكل مستمر قطع طريق الإمداد من جهتي الجاح والفازة»، كما جاء في تصريح مساء أول من أمس لقائد «اللواء ثاني - عمالقة» أحمد الحجيلي. أكثر من ذلك، لم تعد الميليشيات المدعومة إماراتياً متمسكة بسردية السيطرة على مطار الحديدة التي لا تزال الوسائل الإعلامية الإماراتية ترفع لافتتها، وهو ما يوحي به قول الحجيلي نفسه إن «قوات الجيش الوطني والمقاومة تمكنتا من تأمين محيط مطار الحديدة من الجهات الشرقية والجنوبية والغربية وجزء من الجهة الشمالية». لكن ما لا يقرّ به الحجيلي أن تلك القوات باتت محاصرة في محيط المطار ولا منفذ أمامها سوى البحر، وأن البقية تراجعت إلى الخط الرابط بين الخوخة والدريهمي بعد سيطرة «أنصار الله» على قرية المشيخة الواقعة بين الجاح والمجيليس، وهو ما أدى عملياً إلى توقف محاولات التقدم.
بناءً على هذا الواقع الميداني، تبدو «الشرعية» أكثر واقعية من داعميها، إذ يُنقل عن مصادر سياسية مقربة منها أن «التحالف أطلق المعركة من دون أن يحسبها جيداً، الأمر الذي دفع المجتمع الدولي إلى التحذير من استمرارها». وتضيف المصادر نفسها أن «ثمة مساعي واضحة لوقف المعركة»، وأنه «سيجري إلزام الرياض وأبو ظبي بقبول رقابة أممية على ميناء الحديدة، بدلاً من مطلبهما تحرير الحديدة ومينائها وتسليمهما للشرعية». قد تصحّ تلك التوقعات، لكن في الوقت نفسه قد تصرّ أبو ظبي والرياض على «ركوب رأسهما»، رغم التحذيرات الموجهة إليهما من داخل «بيتهما» من أن القوات الموالية لهما «ستصبح صيداً سهلاً للحوثيين»، وأن «خسارة معركة الحديدة ستؤدي إلى تمكين الحوثي أكثر وتعزيز موقفه في الداخل والخارج». في هذه الحالة، ومع التلويح بـ«عملية عسكرية قادمة ستغيّر موازين المعركة» (رغم الاعتراف بالعجز عن السيطرة على المطار، والحديث عن «الاضطرار إلى الانسحاب إلى محيطه» بحسب ما أفادت به أيضاً مصادر ميدانية في «المقاومة الجنوبية»)، يبدو «التحالف» متجهاً نحو العمل بسياسة «الأرض المحروقة»، التي لن تفيده إلا في تصدر المزيد من القوائم السوداء، بعدما أعلنت الأمم المتحدة، أمس، وضعه على رأس قائمة منتهكي حقوق الأطفال في مناطق النزاعات، بحصده أرواح أكثر من 600 من الضحايا الأطفال في حرب اليمن.