بات من المعتاد أن تترافق أي اهتزازات في سعر الصرف بقراءات مغلوطة وشائعات سريعة الرواج في الشارع السوري من قبيل «هذه التقلّبات ستعقبُها زيادة على الرواتب». يأتي هذا التفسير العفوي الشعبي ليكشف عن اعتقاد جمعيّ راسخ بأنّ عالم «اقتصاد الظل» يحوي «يداً كينزيّة» (نسبة إلى الاقتصادي جون مينارد كينز) تتحكم في الأسواق لاستصدار مزيد من السيولة اللازمة لتغطية أي نفقات إضافية مثل زيادات الرواتب المحتملة. ظاهريّاً، يبدو هذا التفسير وارداً ومنطقيّاً أكثر من أي تفسير اقتصادي لظاهرة لا ترتبط بانتصارات عسكرية للدولة السورية، ولا ترتبط بسعر الصرف الرسمي. لكنه يبقى مجرّد رأي حتى ولو صدر عن أعتى الاقتصاديين، إذ لا يوجد برهان دقيقٌ يقطع الشكّ باليقين حول وجود تلك «اليد». في الأيّام الأخيرة، شهدت «السوق السوداء» تقلّبات متسارعة، فتجاوز سعر الدولار الواحد حاجز الـ 460 ليرة، ثمّ انخفض إلى 457، قبل أن ينحدر بشدّة إلى 451 مع نهاية يوم الأربعاء، ليعاود الارتفاع صباح الخميس إلى 453 (السعر الرسمي ثابت عند 430/ 437). هل هي تقلّبات اعتباطيّة؟ أم هي فعلاً مؤشّر على زيادة رواتب قريبة وفقَ التفسير الشعبي؟ أمّ أنّ لها علاقة بزيادة رواتب العسكريين قبل قرابة الشهر؟

لا يمكن عدّ الانتصارات العسكرية معزولة كليّاً عن المضاربات الفورية، وخاصّة أن المحاربين ضدّ الدولة السورية يستعملون سلة عملات مختلفة، وعندما يقرّرون التراجع يتوجهون إلى مزيد من الشراء لحفظ قيمة ما لديهم. لكن من غير المنطقي أن ينعكس التقدّم العسكري في درعا تأثيراً اقتصاديّاً سلبيّاً في دمشق، فالعاصمة تشهد منذ فترة استقراراً أمنيّاً عالي المستوى، إذاً: السبب مختلف. ليس السبب أيضاً زيادة رواتب العسكريين التي أُقرّت مطلع الشهر الحالي، فثمّة مسافة زمنيّة لا بأس بها فصلت بين إقرار الزيادة واضطراب سوق الصرف. إنّ أرجح الأسباب وراء هذا الاضطراب السعري هو زيادة الطلب على العملة الصعبة بفعل مبادرة عدد من التجار والمواطنين (مجموعات أو فُرادى) في وقت واحد وبسيولة كبيرة إلى مبادلة الليرة بالدولار، ليغيروا بذلك سعر الصرف بناءً على «عرض وطلب» في منطقة معينة ثم يمتد التغيير إلى بقية المناطق.

المدخّرات الشعبيّة متواضعة وأضعف من التأثير في أسواق المضاربة


«اليد الكينزية» التي تُحمّلها بعض التحليلات المسؤولية عن هذه التقلّبات لا يمكنها الاستفادة من فروقات بيع وشراء بمعدل مشابه لما تشهده السوق لتمويل «زيادة الرواتب». فتمويل الزيادة المأمولة (في حال إقرارها) يحتاج إلى كتلة نقديّة بالمليارات، مضمونةً وثابتةً شهريّاً. إنّ تحريك الاحتياطي بـ«اليد الكينزية» لخلق فارق سعر صرف بين انخفاض، ثم معاودة ارتفاع بغية تمويل زيادة على رواتب موظفي القطاع العام ومتقاعديه، سيحتاج (منطقيا وحسابيّاً) إلى فجوات سعريّة أكبر مما تشهده السوق أخيراً. لا يمكن قطعيّاً بتّ أسباب الاضطراب الطارئ قبل أن يستقرّ سعر صرف «السوق السوداء». والأخيرة باتت، في ظل الحرب، مسؤولة عن توجيه سعر الصرف الرسمي على عكس المعتاد. فهي تسحب سعر الصرف (ارتداداً أو استقراراً) مؤثرةً في أسعار السلع وبشدّة، ثم مؤثّرةً في سعر الصرف الرسمي أو ضاغطةً عليه باستخدام أداة «استغلال الفجوة بين السعرين». هذه الأداة عادةً ما تحفّز طمع المضاربين لاستغلال الفارق بين السعرين (المبيع والشراء) وتأمين دخول إضافية وموارد متضخمة، الأمر الذي تواجهه الجهات الرسميّة بالسعي إلى تحجيم الفجوة السعريّة.
«انكماش السيولة» يدفع الناس عادة إلى استخدام مدخراتهم من العملة الصعبة لتأمين نفقاتهم المعيشيّة، لكنّ المدخّرات الشعبيّة متواضعة وأضعف من التأثير في أسواق المضاربة بالشكل الحاصل حاليّاً. أمّا مدخرات «الأغنياء الجدد» فمتضخمة، وهذه ببساطة هي كلمة السرّ في ما يحدث. لن يقبل «تاجر حرب» مثلاً أن يبيع بعض مدخّراته (لتأمين نفقات أسطول سياراته وحاشيته ومصاريف رفاهيته) بسعر صرف منخفض، ومرونة السوق السوداء عالية الحساسية ويمكن التأثير فيها ببعض الشائعات حول حجم العرض والطلب. لينجم عن ذلك رفع أو خفض لسعر الصرف (حسب مصلحة المضاربين) وبلا سبب فعلي سوى تعطش السوق لفائدة ربحية مؤقتة، تعوّض تجار سوق العملة السوداء عن كساد أعمالهم في الأسواق التجارية (بفعل ارتفاع أسعار السلع واضطرار الشريحة الأكبر إلى خفض إنفاقها).