رام الله | «الحوار الشامل» مع مستشار الرئيس الأميركي وعرّاب «صفقة القرن»، جاريد كوشنر، الذي أجرته صحيفة «القدس» الفلسطينية (في الرابع والعشرين من الشهر الجاري) لم يكن الأول من هذا النوع، إنما يأتي ضمن سلسلة من اللقاءات التطبيعية والأخبار «غير المألوفة» على مدار الشهور والسنوات الماضية. خلّفت المقابلة موجة سخط واسعة، خصوصاً أن الصحيفة تجاهلت أن كوشنر كان من أبرز المشاركين في افتتاح السفارة الأميركية في القدس المحتلة، وكذلك أداؤه «صلوات تلمودية» عند حائط البراق غرب المسجد الأقصى. ومما أعطى هذه المقابلة زخماً إضافياً، ليس فقط الشخصية الأميركية الصاعدة التي تتحدث للمرة الأولى إلى صحيفة عربية، بل ما كشفته صحيفة «إسرائيل اليوم» عن أن حوار «القدس» مع كوشنر تم بمعرفة قادة دول عربية وموافقتهم، وذلك خلال اجتماعهم معه ومع المبعوث الأميركي جيسون غرينبلات أخيراً، في إشارة إلى مصر وقطر والسعودية والأردن والإمارات، على الأقل. أما في متن الحوار، فسلّط كوشنر الضوء على الوجه الأساسي لـ«صفقة القرن» عندما رهن «السلام» بـ«الفرص الاقتصادية»، مضيفاً أن الصفقة «تحترم كرامة الفلسطينيين».

أحد الإعلانات الإسرائيلية المنشورة في الصحيفة


ومع أنها المقابلة الأولى مع وسيلة فلسطينية - على الأقل - لم تستغل «القدس» هذا «السبق» وتعمل على طرح أسئلة «تحشر الضيف في الزواية»، وإنما كانت أسئلة «بسيطة»، مع أن واقع كونها صحيفة فلسطينية يملي عليها بالحد الأدنى أن تستوضح عن الدور الذي يقوم به مستشار دونالد ترامب، والصيغة التي دفعت حتى رئاسة السلطة إلى رفض التواصل مع الأميركيين على رغم أنها تتبنى خيار التسوية منذ عقود.

إعلان صادر عن بلدية الاحتلال في القدس


أيضاً أغفلت كلياً علاقاته الشخصية والمالية الوطيدة مع اليمين الإسرائيلي، أو خطابه الديني المتطرف المعروف، بل حتى لم تكلّف نفسها الاستفسار عن كيفية إعادة الثقة فلسطينياً به وبالإدارة الأميركية في ظل خطوة كنقل السفارة والاعتراف بعاصمتهم عاصمة لإسرائيل، من جانب واحد، فضلاً عن التهديد المبطن الذي أطلقه الرجل بحق محمود عباس، عندما قال: «لكن إذا رفض (عباس) ذلك (الحضور إلى المفاوضات)، فإننا سننشر الخطة (صفقة القرن) على الملأ».

رحلة «التطبيع السهل»
إعلانات لمناقصات استيطانية، حوار خاص مع وزير الأمن الاسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، تهانٍ من وزراء وشخصيات إسرائيلية للشعب الفلسطيني، هذه بعض سوابق الصحيفة المحلية، في إطار «مستغرب» شعبياً من التطبيع. يعقّب أحد الصحافيين الذين عملوا سابقاً في «القدس»، مع تحفظه على ذكر اسمه، أنه سبق أن عمل مع الموقع الإلكتروني للجريدة، مشيراً إلى أن «المقر الرئيسي للجريدة في القدس هو من تصدر عنه الإعلانات التطبيعية والاستيطانية، وهي لا تصدر عن أي مكاتب فرعية أو متعاونين معها في الضفة وغزة».

من لقاء أفيغدور ليبرمان مع الصحيفة في 2016


وحول بداية صدور هذه الإعلانات، يقود تصفح أرشيف الصحيفة إلى إعلان نُشر في تموز 2004، أي في ذروة انتفاضة الأقصى الثانية، ويتعلق بافتتاح مصنع بلاط وبورسلان للعدو في مستوطنة «ميشور أدوميم» قرب أريحا. آنذاك، كان التبرير أن عدداً كبيراً من الفلسطينيين يعمل داخل الأراضي المحتلة والمستوطنات، ولذلك لم تثر هذه الإعلانات حفيظة النقابات والسياسيين. وفي 23 تشرين الأول 2009، يلاحظ أيضاً وجود إعلان مثلاً لشركة ثياب وأقمشة تدعى «هنجر». لكن ما لا يمكن تصنيفه كإعلان، خصوصاً أنه موجه ولإدارة أي صحيفة أن ترفض نشره، هو ما صدر في رمضان 2010، عندما ظهرت تهنئة من وزير الأمن السابق إيهود باراك، على الصفحة السادسة في الجريدة (تحديداً في 7 حزيران 2010).
لكن «الضربة الكبيرة» جاءت في نهاية تشرين الأول 2016، عندما عرّضت الصحيفة نفسها لهجوم كبير بسبب نشرها «لقاء خاصاً» مع ليبرمان مرفقة بصورة خاصة في مكتبه، وكانت قد روجت للقاء قبل نشر محتواه لاحقاً، لكن الانتقادات لم تمنعها من إكمال النشر. والمشكلة أن ليبرمان هدّد آنذاك بحرب جديدة على غزة، ولوحظ أن الصحيفة سمحت بنشر تهديده بصورة واضحة عندما وصف تلك الحرب بأنها «مدمرة وأخيرة».
بدأ التحول في سياسة الصحيفة منذ حوارها مع نتنياهو في 1996 بدأ التحول في سياسة الصحيفة منذ حوارها مع نتنياهو في 1996


آنذاك، اكتفى أحد محاوري ليبرمان، بالقول إن المقابلة لم تجمّل صورة الاحتلال واقتصرت على «المهنية الطبيعية»، وأن المقابلة لا تندرج تحت مسمى «التطبيع»، مدافعاً عن الصحيفة بوصفها تعرضت للإغلاق ست مرات. على رغم هذا، تفيد مصادر قريبة من إدارة الصحيفة بأن عام 1996 يمكن وصفه بعام التحول في الصحيفة، أي عندما كان بنيامين نتنياهو رئيساً لحكومة العدو، إذ التقى به رئيس تحرير «القدس» ونجل مؤسسها، وليد أبو الزلف (هو نفسه من أجرى اللقاء مع كوشنر). لكن أحد مديري المكاتب المتعاقدة مع الصحيفة في الضفة، يقول إن للأخيرة «ماضياً عريقاً، ولا يمكن إنكار ما قدمته إلى القضية الفلسطينية، خصوصاً في عهد الراحل محمود أبو الزلف... الجريدة في عهد ما بعد أبو مروان تختلف كلياً، كان الأخير يرفض نشر أي إعلانات على الصفحة الأولى بحجم كبير مهما كانت الجهة المُعلِنَة». ويضيف: «الآن صار المال سيد الموقف، ولا اعتبار لأي مواقف وطنية أو مهنية في الإعلانات والمضامين، المهم أن الجهة التي تُقدم الإعلانات أو يتعلق بها الخبر لا تجلب الملاحقة أو المساءلة».
لكن صحافيين آخرين يرون أن وجود مقر الصحيفة الرئيسي داخل القدس يؤثر في حريتها ومحتواها، لكنهم يتفقون على أن الدافع الاقتصادي وما ستحصل عليه «القدس» مالياً قد يغيّر المواقف. ومن المفارقات أن مؤسسها أبو الزلف الأب رفض الانتقال إلى الأردن عندما أُلحِقَت الأراضي المحتلة عام 1967 بالمملكة، بل أصّر على متابعة عمل الصحيفة من القدس، ولم يقبل الاعتماد على صحيفة «الأنباء الحكومية» التي كانت للعدو وناطقة باللغة العربية. ومع أنه لا يمكن غض النظر عن مقص الرقيب العسكري الذي يُهدّد الصحيفة ولو بصورة أقل حالياً مقارنةً بسنوات النكسة ثم الانتفاضة الأولى، فإنه يراقب ويحظر النشر فقط، ولا يجبر الصحيفة على مقابلة نتنياهو أو ليبرمان أو كوشنر، أو حتى نشر إعلاناتٍ عن بناء المستوطنات على أراضي الفلسطينيين. هنا يؤكد أحد منسقي «اللجنة الوطنية للمقاطعة» (BDS) أن «الإعلانات الاستيطانية عبر القدس مدفوعة الأجر، والجريدة غير مجبرة على نشرها، ولا علاقة للترخيص بها»، واصفاً هذه الإعلانات بأنها جزء من «التطبيع الفج».

«النقابة» تطلق ناراً في الهواء
ما إن هدأت عاصفة الانتقادات قليلاً بعد لقاء ليبرمان، حتى جاء 27 شباط 2017، حينما نشرت «القدس» إعلاناً صادراً عن جهة في «الإدارة المدنية» التابعة للعدو حول مخطط استيطاني يتعلق بمستوطنة «كوخاف يعقوب» المقامة على أراضي الفلسطينيين قرب رام الله. لا أحد يعرف سر بدء المعركة بين «نقابة الصحافيين» (المدعومة من السلطة)، وبين الصحيفة، على رغم أن موضوع المقابلة مع ليبرمان أخذ ضجة كبرى، لكن ربما جعل تكرار نشر إعلانات الاستيطان النقابة غير قادرة على استمرار الصمت أو الانتقاد الخجول، والأغرب أن «القدس» لم تدافع عن نفسها في شأن حوار ليبرمان بالقدر الذي دافعت فيه خلال قضية «كوخاف يعقوب».
آنذاك، استنكرت النقابة بشدة الإعلان واتهمت الصحيفة بـ«نشر المخططات الاستيطانية والترويج لها، على رغم اعتراف العالم الدولي بعدم شرعية الاستيطان»، محذّرةً إدارتها آنذاك من «عدم الاعتذار للشعب الفلسطيني عن نشر الإعلان، وفي حال لم تعتذر وتتوقف، فإن النقابة ستدعو الجهات الفلسطينية الرسمية لوقف توزيع الجريدة ولخطوات أخرى»، وفقاً للبيان. في المقابل، رد الصحيفة بموضوع عنونته بهجوم شخصي على نقيب الصحافيين، ناصر أبو بكر، وهو ما رأت فيها النقابة «تطاولاً على شخصه»، ثم ردت الصحيفة باتهام النقيب بعدم التواصل معها مسبقاً، وانتهت القضية إلى هنا.
أياً يكن، الواضح أنه في غياب محاسبة رسمية أو نقابية، وحتى مقاطعة شعبية، ستستمر «القدس» في هذا النهج التحريري، خصوصاً أنها تسمح لأشخاص مثل كوشنر بتمرير رسائل تهديد مبطنة أو مباشرة، منها قوله في الحوار الأخير، إن «أهل غزة رهائن لقيادة سيئة. لقد انحدر اقتصادهم إلى أسفل بسبب عدم القدرة على التواصل مع العالم. طالما أن هناك صواريخ يتم إطلاقها وأنفاقاً تُحفر، سيكون هناك خنق على الموارد المسموح بدخولها. إنّها حلقة مفرغة»، كأن لا حصار إسرائيلياً ولا حروب ولا اعتداءات على القطاع.



من هي «القدس»؟
تُعرّف «القدس» عن نفسها بأنها «صحيفة فلسطينية يومية سياسية مستقلة»، وعملياً هي من أكثر الصحف توزيعاً داخل فلسطين، وقد أسسها محمود أبو الزلف في القدس عام 1951، وكانت تصدر آنذاك باسم «الجهاد»، لكن قبل حرب حزيران 1967، تغيّر اسمها إلى «القدس»، ثم توقفت عن الصدور بسبب الحرب، إلى أن عادت إلى القراء في تشرين الثاني 1968.
وتعرضت الصحيفة للإغلاق والحصار مرات عدة خلال الانتفاضة الأولى في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، كما انفردت بتغطية وافية لمعظم الأحداث الفلسطينية والعربية منذ تأسيسها كونها الصحيفة الورقية الأكثر متابعة فلسطينياً منذ ضم الضفة المحتلة إلى الأردن. وحالياً تمتلك فروعاً عدة في الضفة وقطاع غزّة (مُنعت من التوزيع في غزة ما بين سيطرة «حماس» في 2007 حتى اتفاق المصالحة - «الشاطئ» 2014). كما تتعاقد معها عشرات المكاتب التي تزودها بالإعلانات وأحياناً بالأخبار والتقارير. وبالنسبة إلى الخط التحريري، لم يسبق لـ«القدس» أن اصطدمت بالسلطة الفلسطينية، خصوصاً أنها لم تعلن نفسها في صف المعارضة، مع أن السلطة لا تملك سيطرة على مقرها العام في القدس المحتلة - الخاضعة لبلدية الاحتلال - ولكن بحكم وجود فروع للجريدة ومكاتب متعاقدة معها في الضفة يمكن فهم التزامها تجنّب الصدام مع «المقاطعة» قدر الإمكان.