تونس | مناخ من الإحباط واللامبالاة سيطر على الشارع التونسي يوم أمس خلال الاحتفال بالذكرى الثالثة للثورة، وسط تشكيك واسع في حقيقتها، خصوصاً على لسان المدير السابق للأمن العسكري الجنرال أحمد شابير.

شابير كشف في برنامج تلفزيوني أنه تم الاتفاق على إبعاد الرئيس السابق زين العابدين بن علي الذي لم يأمر مطلقاً بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، مؤكداً اختراق جهاز الأمن من استخبارات أجنبية.
هي المرة الاولى منذ ثلاث سنوات التي يكون فيها الاحتفال بـ«ثورة الياسمين» حسب التوصيف الفرنسي، أو «ثورة الحرية والكرامة» حسب التسمية الرسمية التونسية، باهتاً رغم كل ما بذلته الأحزاب في السلطة والمعارضة من جهود للتعبئة، إذ رفضت القوى النقابية والمدنية في محافظة سيدي بوزيد، المصنفة عاصمة للثورة، الاحتفال بهذه الذكرى، وفتحت المؤسسات العامة والمدارس والمعاهد أبوابها، رغم أنه يوم عطلة رسمية.
أما محافظة القصرين التي قدّمت أكبر عدد من الشهداء إبان أحداث الثورة، فقد بدا فيها الشارع أمس غير معني بأي احتفالات، حيث خيّم مناخ من الإحباط والمرارة على الشارع، في الوقت الذي عبّر فيه عدد كبير من المواطنين عن إحساسهم بالغبن، إذ لم يتحقق أي حلم من أحلامهم ولم تعمل السلطة الجديدة التي تقودها حركة النهضة على بعث أي مشروع تنموي مهما كان صغيراً في المحافظة التي تواجه منذ أشهر مخاطر الإرهاب في جبال الشعانبي.
استقبال الذكرى الثالثة للثورة لم يكن نفسه في شارع الزعيم الحبيب بورقيبة الذي كان شاهداً على التظاهرة الشهيرة ليوم ١٤ كانون الثاني قبل ثلاث سنوات، والتي روِّج آنذاك إعلامياً بأنها كانت وراء فرار الرئيس الأسبق، وهو ما نفاه مدير الأمن العسكري شابير في برنامج تلفزيوني قبل يومين.
إلا أن حركة النهضة تصدّرت الجهة الأهم من الشارع أمام المسرح البلدي، ورفع أنصارها شعار رابعة العدوية، بحضور قيادات مثل وزير الفلاحة في الحكومة المستقيلة محمد بن سالم، الذي راجت أخبار عن هروبه من تونس خوفاً من المحاسبة.
وغير بعيد عن «النهضة»، رفعت رابطات حماية الثورة التي تطالب بحلها كل القوى السياسية (ما عدا حزبي النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية والأحزاب المنشقة عنه) شعارات تتهم «النهضة» بالخيانة والتخلي عن أهداف الثورة، مؤكدة أن «الشعب مسلم ولن يستسلم»، وهو الشعار التاريخي لحركة النهضة.
أما النقابيون فتجمّعوا في بطحاء محمد علي الحامي، المقر المركزي للاتحاد العام التونسي للشغل، رافعين شعارات تندّد بـ«النهضة» التي «باعت البلاد».
وألقى زعيم الاتحاد حسين العباسي كلمة دافع من خلالها عن توافقات الحوار الوطني واعتبرها ترجمة للدور الوطني والتاريخي للمنظمة.
هذا الاحتفال لم تغب عنه الأحزاب المحسوبة على النظام السابق، بل لعل التظاهرة التي نظمها حزب نداء تونس مع حلفائه مثل المسار الديموقراطي الاجتماعي والحزب الاشتراكي كانت الأكثر عدداً، وسبقها خطاب لزعيم الحزب الباجي قائد السبسي الذي شنّ هجوماً على الترويكا الحاكمة.
ولعل واضح أن التقاء رموز الحركة الدستورية في اجتماع واحد هو رسالة لقواعد الحركة الدستورية التي حكمت البلاد وقادت معركة الاستقلال، وهي رسالة أيضاً الى القوى السياسية مفادها أن «الدساترة» كما يسمونهم في تونس عائدون.
عودة الدساترة أصبحت حقيقة في الواقع اليومي لا يمكن تفسيرها إلا بفشل الترويكا الحاكمة منذ أكثر من عامين في تقديم حتى مؤشرات صغيرة على تحسين ظروف الحياة أو تحقيق الحد الأدنى من مطالب الفقراء والجهات المحرومة، اذ تضاعفت البطالة وارتفعت معدلات الفقر وتفشّى الفساد وتبييض الأموال حسب المنظمات الدولية، وانهار الاقتصاد وانتشر التهريب والإرهاب الذي كان التونسيون يتابعون أخباره عبر الفضائيات ويعتبرونه بعيداً عنهم.
وأصيب المورد الأساسي لاقتصاد البلاد، وهو السياحة، في مقتله وانهارت الادارة في الوقت الذي تم فيه إغراقها بمساجين «النهضة» الذين رصدت لهم مبالغ تعويض خيالية.
هذه التجاذبات السياسية التي تشغل أنصار الأحزاب يبدو المواطن التونسي البسيط غير معني بها، إذ إن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي غرقت فيها البلاد وتنامي مخاطر العنف وغياب الأمن وتفشي الجريمة، كل هذه الظواهر، خلال ثلاث سنوات من سقوط النظام، فتحت الباب للعديدين للقول إن تونس لم تعرف ثورة بل تعرضت لمؤامرة متعددة الأوجه والفاعلين استهدفت أمنها واستقرارها.