على الغلاف | يعبد المصريون معبودين، الله والدولة: خالق الحياة، ومنظم دورتها... ولطالما اتحد الاثنان في فرعون، ثم تفارقا بعده، وإن ظلّ حبل سرة يصل الاثنين برباط وثيق، مدعاته ضرورة الدولة لتنظيم وتأمين جريان النيل... ومصر هي هبته في المقام الأول.

والحال أن اكتشاف المصريين المتجدد لما وقر في نفوسهم منذ الأزل انفجر صاخباً في 30 يونيو 2013 بحكم اكتشافهم السريع كيف أن الخروج من كنف الدولة الى مظلة من قبع خارجها لعقود ثمانية مغامرة غير مأمونة العواقب، وأن العودة الى الدولة ــ على فسادٍ اكتنف أجهزتها، واستبدادٍ حاق بسلوكها ــ أسلمُ واضمنُ للمجتمع من الذهاب خلف مجاميع لا تعرف «فنون» الدولة و«علومها»، فضلاً عن أنها أعجز من أن تجيب عن أسئلة مصر الكبرى: الفقر والتخلف وضعف الموارد... فضلاً عن أجندة لها تشدّ المجتمع الى خلفٍ، بل والى المجهول.
والشاهد أن نزول الإخوان من أعلى علّيين مطالع 2011 الى دركٍ بغير قرار بعده بعامين ونيف لم يكن في صلبه إلا بفعل ما هم عليه من قصور وهشاشة، ولا ينفع في تفسيره أن الإعلام شوّههم وأن الخليج ــ باستثناء قطر ــ كبّ الأموال على حربهم، وأن المؤسسة العسكرية ــ الأمنية تربصت بهم... ففوق ذلك كله كان إخفاقهم في توفير بديل مقنع أهم أسباب تهاويهم الزلزالي: تخادموا مع الغرب بما يقْرُب من تبعية التابعين... توافروا على كوادر كثيفة الكم ولكن ضعيفة النوع... خلَوا من منهج اقتصادي ــ اجتماعي إلا ذاك الرأسمالي بلحية... وافتقروا الى مشروع نهضوي جامع، فضلاً عن تعجلهم وتعاليهم وغلْظتهم.

لقد أمضوا عقوداً أربعة ــ 1971ـ2011 ـــ وهم يبنون تنظيماً واسعاً محكَم التمويل في كنف نظام الثورة المضادة ــ أنور السادات وحسني مبارك ــ الذي وفّر لهم مناخاً متيحاً، وإن متوتراً (ضربات بؤرية ومتباعدة: 81 ــ 95 ــ وعبر عشرية الواحد والعشرين الاولى) أسهموا خلالها أيّما إسهام في تهشيم صورة مصر ــ الثورة / يوليو في الذهن الجمعي للناس، ومن ثمّ كفلوا أن يكونوا القوة الجاهزة لوراثة حسني مبارك، سواء في حال تخلى رعاته في واشنطن عنه أو خرج الشعب عليه بحافز رفضه مشروعه توريث الابن... وهكذا كان: سقط حسني وأتى في عقبه الإخوان «جَاهزين من مجَاميعه»، إذ تواءم ذلك مع تبنّي واشنطن نهج تمكين الإخوان من الحكم أينما استطاعوا، لكونهم ترياق سموم ثلاثة: الجهادي السنّي... الإيراني ــ الشيعي... والقومي العربي، والأقدر على المضي في صلح «أمريكي» مع إسرائيل وطليه بـ«حديبية».
لم تدرك واشنطن في حينه أن الإخوان سمعةٌ من خارج ودار عجزةٍ من داخل... تسرّب اليها ذلك الاحساس مع بدايات 2013، لكنها غالبته بجرعات انتظار يتوقع منهم بعض تلطف... لكن انتظار الدولة وجلّ المجتمع لم يطق صبراً، فكان الخروج العارم في 30 يونيو.
مذذاك ومشهد غرائبي الطابع قد ارتسم على أفق الوادي: شارعٌ سمْتُه ناصري الهوى، ونخبٌ بوصلةُ معظمها ساداتية الوجهة... ائتلفا هجينياً في تحالف تعسُر استدامته... وبين الاثنين يهجع الجيش في منزلة بين المنزلتين، محاولاً تجنب «فتنة» الاختيار، والاحتفاظ بخياراته مفتوحة، لا سيما أن اقتصاد مصر على وشك السقوط في حفرة بغير قاع، فيما أمنها مضروبٌ في سيناءَ تكاد تمسي قندهار مصرية بامتياز... وعبر حدود غربها المنداحة بالسلاح، فضلاً عن تشنجات الإخوان في الشارع وقد وقعوا في فخ تجريب العودة الى السلاح... فضيّعوا المشيتين.
في خروج الجيش على النص الأميركي ــ المبتغي إدامة التساكن مع الإخوان (مع تخفف من تزيّد غلظتهم) ــ وجد له حلفاءَ تكتيكيين في الاقليم، هم كل من رأى في حكم الإخوان لقطر عربي مركزي كمصر تهديداً وجودياً، وتحديداً حكام السعودية والامارات والكويت... لكن حاله معهم كحال من يتّكئ على قشة، فمصر عندهم لِتطفوا، لا لتنهض ولا لتغرق، فكلاهما مهدِّد... ومن ثمّ فهو واصلٌ معهم الى مفترق طرق في موعد لن يطول انتظاره.
بتصويت الموافقة على الدستور تكون هزيمة الإخوان قد اكتملت نصاباً، وما عاد ممكناً حرف ــ فضلاً عن عكسِ ــ مسارها الا في حال واحدة، وهي انهيار اقتصادي فاجع يُذهِب ريح الدولة.
والحاصل أن هزيمة الإخوان ليست أمنيةً، وإن اكتست بشدّةٍ جليّة، وانما بلفظٍ مجتمعي صارخ يكاد يفيض عن حالهم ما بين 55ــ70 عندما كان وسمُ أحدٍ بإخواني واحداً من أفعال الشتيمة.
ومع تقدم السيسي الى سدة الرئاسة، فإن النخبة العسكرية التي تمسك بزمام ثلث الاقتصاد وترى احتكارها للعنف ــ كما وظيفتها في الدولة ــ مهدداً بواقع امتشاق الجهاديين ــ والآن الإخوان - للسلاح، مقبلةٌ على المفاضلة بين خيارات كلها صعبة: من أين نأتي بالمال لننهض، وكيف؟ ماذا نحن فاعلون بحمَلة السلاح، وكيف؟ ما هو موقع مصر من اهتزازات الاقليم ومحاوره؟ وعلى من نتّكئ دولياً ونحن نواجه الأقدار؟
سيتفكك التحالف الناصري ــ الساداتي، والسؤال عندها هو: لمصلحة من؟ منطق الأمور يقول بألا مندوحة لخروج مصري آمن الى رحاب المنعة إلا في ناصرية معاصرة... لكن رواسي المصالح التبعوية ستقاتل عن ذلك ما استطاعت.
يبقى الجواب برسم السيسي.