على امتداد الأعوام السابقة، حضرت في ليبيا قوات أجنبيّة، لكن وجودها كان مرتبطاً دائماً بطلعات جويّة أو بعدد قليل من الخبراء والمستشارين، خاصّة في القتال ضدّ «داعش». لكن، تروج منذ نهاية العام الماضي أخبار عن نيّة إيطاليا نقل حضورها العسكريّ إلى أبعد من ذلك، خاصّة في الجنوب الليبيّ الشاسع والمنفلت. اليوم يقترب الأمر من التحقّق أكثر فأكثر، خاصّة مع تأكيد وزير الداخليّة الإيطاليّ ماتيو سالفيني إرسال جيشه «في أسرع وقت ممكن». قبل حوالى أسبوعين، أجرى ماتيو سالفيني، الذي يتولى أيضاً منصب نائب رئيس الوزراء، زيارة أولى سريعة إلى ليبيا. ركّز الرجل حديثه حينها على الهجرة وأخطارها، واقترح إنشاء مراكز إيواء للمهاجرين المُرحّلين عن حدود أوروبا. رفضت حكومة الوفاق الوطنيّ المقترح، لكن بموازاة ذلك عادت الأخبار عن نية إيطاليا إقامة حضور عسكريّ في جنوب البلاد لمنع تدفّق المهاجرين القادمين من العمق الأفريقي. ونشرت وكالة «ستامبا نوفا» تفاصيل البرنامج الذي يهدف إلى إنشاء خمس نقاط مراقبة على امتداد الحدود الجنوبيّة الليبيّة، وتركيز غرفة عمليات في مطار مدينة غات الواقعة جنوب غرب البلاد في مثلث حدوديّ مع النيجر والجزائر.

أول ردود الفعل الميدانيّة على الخبر كان تحرّك عدد من «المجالس الاجتماعيّة» ضدّ نشر قوات إيطاليّة، وصدور بيان عن «المجلس الاجتماعيّ للقبائل والمكونات الاجتماعيّة بغات» يرى أنّ العمل العسكريّ ضدّ تلك القوات «واجب ودفاع عن أرض الوطن»، كما سيطر بعض المسلحين على مطار المدينة لمنع نزول أي طائرات إيطاليّة فيه.
ونقلت «الأخبار» حينها عن مصادر محليّة في المدينة أنّ إيطاليا تعمل على احتواء المسألة من خلال إدماج المحتجين في نسيج عدد من المشاريع التنمويّة التي ستقيمها في المدينة التي حُرمت من الرعاية الحكوميّة في الأعوام الماضية، لوجود عدد كبير من داعمي نظام القذافي فيها.
حتى الآن، يبدو أنّ تلك الجهود قد تكللت بالنجاح؛ فإلى جانب عدم صدور بيانات احتجاجيّة جديدة، استمرت الأخبار المؤكدة لقرب بدء الانتشار العسكريّ بالتدفّق. أوّل من أمس، أعاد سالفيني تناول الموضوع، وأكّد عقب اجتماع جمعه في روما بأحمد معيتيق، نائب رئيس المجلس الرئاسيّ لحكومة الوفاق الوطنيّ المعترف بها دوليّاً، نيّة إيطاليا نشر القوات العسكريّة «في أسرع وقت». لم يقف الوزير عند ذلك الحدّ، حيث واصل الحديث عن خطط بلاده لتطبيق سياسة الهجرة الجديدة الهادفة إلى إيقاف مدّ المهاجرين انطلاقاً من بلدان العبور، وتقدّم خطوة أخرى في محاولة التقرّب من حكومة الوفاق من خلال الدعوة، في تصريح أوّل من نوعه، إلى رفع حظر التسليح عن البلاد، مبرراً ذلك بالقول: «مهرّبو السلاح والمهاجرون لا يأبهون بالحظر على أيّ حال».

اقترحت القاهرة إنشاء تجمعات موقتة للاجئين داخل ليبيا


وأعلن سالفيني أنّ بلاده ستسعى لإقناع دول الاتحاد الأوروبيّ بتبنّي موقف بلاده خلال اجتماع وزراء داخليّة الاتحاد في النمسا، بداية الأسبوع المقبل. إضافة إلى ذلك، كشف الوزير أنّ بلاده سترسل 17 قارباً لحرس الحدود الليبيّ، إضافة إلى 12 قارباً سبق أن أرسلتها، ووعد بتقديم مزيد من التدريب والعمل على إقناع الدول الأوروبيّة الأخرى بتقديم مساعدات إضافيّة ترفع من إمكانيات الجانب الليبيّ في الحدّ من تدفق المهاجرين.
وقد سبق لإيطاليا أن درّبت في الأعوام السابقة مئات من أعضاء الأجهزة الأمنيّة الليبيّة، كما عملت على إدماج عدد من الميليشيات المتورطة في تهريب البشر ضمن الأجهزة الأمنيّة الرسميّة لحكومة الوفاق التي يترأسها فائز السراج. أسهمت تلك الخطوات في تقليل عدد المهاجرين على نحو كبير، لكن قبل شهرين أعادت لجنة العقوبات في مجلس الأمن إدراج زعيمي مجموعتين مسلحتين، دُمجتا سابقاً ضمن أجهزة الأمن الليبيّة، في قائمة العقوبات الخاصة بها.
ويُعتبر حديث سالفيني عن عدم احترام مهرّبي الأسلحة للحظر الدوليّ من قبيل نصف حقيقة، إذ أشارت تقارير سابقة إلى تورّط دول بأكملها في تزويد الأطراف الليبيّة المتقاتلة بالسلاح، ومن بينها بلاده. فقد تحدّثت تقارير خبراء الأمم المتحدة عن تورط مصر والإمارات العربيّة المتحدة في توريد أسلحة لمصلحة قوات خليفة حفتر في شرق البلاد، إضافة إلى ارتكاب روسيا وتركيا خروقات خطيرة في هذا الاتجاه. أما في ما يتعلّق بإيطاليا، فعلاوة على تسليحها للحرس الرئاسيّ التابع لحكومة السراج، فقد قدمت أسلحة لميليشيات إسلاميّة في غرب البلاد تحت غطاء الدعم الإنسانيّ.
تقديم الأسلحة إلى الأطراف الليبيّة لم يتقلّص مع الأعوام، بل صار منتظماً من ناحية الكمّ وأكثر تطوّراً من ناحية النوع. ويمكن هنا الإشارة إلى شبكة تجارة أسلحة إيطاليّة تناولها تقرير خبراء الأمم المتحدة الأخير، وقد فُكّكت الشبكة بعد أن أوقفت السلطات الإيطاليّة بداية العام الماضي ثلاثة أشخاص اتهموا بتهريب حوامات، ورشاشات، وصواريخ مضادة للدبابات إلى ليبيا بين 2011 و2015.
تفاعل الوزير الإيطاليّ أيضاً مع الانتقادات الواسعة التي توجهها منظمات غير حكوميّة تعنى برعاية اللاجئين تجاه مراكز الإيواء الموجودة في ليبيا التي تعاني من الاكتظاظ وتشهد سوء معاملة وتعذيب، وتمنع الميليشيات التي تسيطر على عدد منها موظفي الأمم المتحدة من النفاذ إليها لمعاينتها في حالات كثيرة. وقال سالفيني إنّه يريد أن يجعل ظروف تلك المراكز «أكثر إرضاءً».
في سياق متصل، وبعد رفض دول جنوب المتوسط مقترح إنشاء مراكز إيواء للمهاجرين المبعدين من أوروبا إلى حين دراسة طلبات لجوئهم، قدّم وزير الخارجيّة المصري مقترحاً جديداً في هذا الاتجاه. فخلال زيارته لألمانيا التي انتهت يوم الخميس، كشفت مصادر لـ«الأخبار» أنّ سامح شكري اقترح إنشاء تجمعات لإقامة اللاجئين بشكل مؤقت داخل ليبيا بالقرب من الحدود المصريّة والتونسيّة، مع إمكانيّة أسهام مصر في تأمينها من الداخل الليبيّ.
ومع تجديد شكري رفض بلاده إنشاء مراكز لإيواء اللاجئين على أراضيها، أشار إلى احتمال قبول الجانب التونسيّ بالأمر مقابل مساعدات ماديّة (رفضت تونس رسميّاً الأمر عند طرحه من الجانب الأوروبيّ). وربط وزير الخارجيّة استمرار جهود بلاده في مكافحة الهجرة باستمرار تدفق المساعدات العسكريّة.
ولم يبق ملف حفتر بعيداً عن النقاش المصريّ ــ الألمانيّ، حيث طالب شكري برفع حظر التسليح عن حليفه المتمركز في شرق ليبيا، وإدماجه ضمن المسار المقترح. ويأتي هذا الطلب بعد أن شعرت سلطات شرق البلاد بأنّها صارت على هامش الملف بعد زيارة الوفد الإيطاليّ لطرابلس الأسبوع الماضي، حيث أعقبها إصدار «الجيش الوطنيّ الليبيّ»، الذي يعمل بقيادة خليفة حفتر، بياناً، الأسبوع الماضي، عارض فيه وجود أيّ قوات أجنبيّة في البلاد، وتوعّد بالتصدّي لها.