يخلو فم غسان، وهو صاحب محل أنتيكا في سوق القباقيب في دمشق القديمة، من سنّيه الأماميتين الكبيرتين، مع ذلك، هو لا يخجل ولا يمدّ يده ليغطي الفراغ الذي خلّفه فقدان سنّيه، فالفراغ الذي طرأ على فمه أخرج تيّاراً من الهواء، لكنه لم يخرج كلاماً فارغاً. على العكس من ذلك، عرّف غسان عن نفسه قائلاً: «اسمي غسان سكحل، غسان من الغساسنة، وسكحل (سك) من سك الدهب و(حل) من حل الفضة». تابع: «بتسمعي بالغساسنة والمناذرة؟ هدول كانوا على طول نازلين ببعض طاخ طيخ، نحنا السوريين هلق صرنا هيك، غساسنة ومناذرة، حراس المتصارعين على الأرض السورية».

تأقلم غسان مع الرصاصة والكلاشينكوف التي تدلّت أمام واجهة محله كزينة هذه المرة وليس كسلاح بيد غسّاني ضد منذري (سوري ضد سوري)، تماماً مثلما تأقلمت الفتاة الجالسة بالقرب منه على قراءة القرآن بعينها فيما أعارت سمعها لأم كلثوم وهي تغني: «ما أنا بالمُصدِّق فيك قولاً ولكنّي شُقيت بحسن ظنّي». وعندما نسأل غسان كيف للبارودة والرصاصة أن تتحول إلى زينة ويصبح لها هذا الحضور العادي في يومياتنا بعدما أخذت ما أخذته من حياتنا؟ يجيب بعقلية التاجر الشامي: «كل وقت وإلو ملائكته، الرصاصة والبارودة صارت زبون منا وفينا، متلها متل صوت سيارة الإسعاف، متل صوت القذيفة، متل فانوس رمضان، متل هالطربوش الأحمر المعلق اللي حكمنا 400 سنة وبعدو معلق».
على غير ما اعتاده العقل الشامي الذي فضّل دائماً الابتعاد عن السياسة مكتفياً بغلّة السوق، اجتاز غسان حاجز البازار إلى ميدان السياسة قائلاً: «نحنا بحياتنا ما حبينا الحرب، كل عمرنا بنحب السلام، الشام لما فتحوها، فتحوها بالحوار وليس الحرب». يعدّد أسماء القادة الذين فتحوا دمشق: عبيدة بن الجراح، شرحبيل بن حسنة، خالد بن الوليد، يزيد بن أبي سفيان... يمدّ يده في إشارة إلى حائط الجامع الأموي المواجه لمحله الصغير، الحائط عبارة عن باب عريض أُغلق بالحجارة. يعلّق غسان: «كان المسلم والمسيحي يدخلان من هذا الباب، المسلم يصلي على اليمين والمسيحي يصلي على الشمال». لاحقاً، بُنيَ الجامع الأموي وأُغلق الباب. يضيف ويختم حديثه: «لعل ما يميز تجار السوق أنهم لا يغلقون الباب، يحرصون على إبقائه موارباً، نصف مغلق ونصف مفتوح، هذه هي الصيغة التي أتقنها واعتمدها تجار دمشق قبل الأزمة وخلالها، وهي الصيغة التي حمت دمشق، لا بل أنقذتها من السقوط». هنا تحديداً يغمز غسان من زاوية طبقة تجار دمشق الذين وقفوا على الحياد منذ إطلاق الرصاصة الأولى في البلد، مكتفين بتأييد ألوان السوق وإطلاق عبارات الترغيب للزبائن الراغبين في الشراء والعيش والحياة، لا الذاهبين إلى الأبدية، وهنا تحديداً، يعيدنا التاجر الدمشقي إلى الوراء قليلاً، إلى تاريخ 30 كانون الثاني 2018. كثيرون يتذكرون ضجيج هذا التاريخ، ضجيج مؤتمر سوتشي، لكن قلة قليلة قد تتذكر «محمد غسان القلاع»، رئيس اتحاد غرف التجارة السورية، الذي وقع عليه الاختيار لافتتاح المؤتمر من بين كل المشاركين ودلالات هذا الاختيار. الدلالات التي تقول إن الدولة السورية ما زالت مواظبة على ترسيخ دور التجار الذي كُرِّس زمن الرئيس حافظ الأسد، الدور الذي قام على المقايضة، اشترى التجار حريتهم التجارية والاقتصادية وباعوا الحياة السياسية.
لا تنتهي السياسة ولا ينتهي المعنى عند تاجر الأنتيكا، فالمزيد ستعثر عليه على بعد خطوات من سوق القباقيب لدى دخولك مقهى «خبيني» الملاصق لمقهى النوفرة. «خبيني» الاسم الشاهق في الدلالة والغموض لمقهى صغير لا يتجاوز عدد مرتاديه اليوم خمسة أو ستة، فيما تقول جدرانه إن عدداً كبيراً كان يرتاده في ما مضى من الزمن. هذا ما تشير إليه أعداد «نباريش النرجيلة» المعلقة تخليداً لذكرى من رحلوا. وفي التفاصيل «أن مقهى خبيني قد يحمل في اسمه معنى الوفاء، فهذا صاحب المقهى يقول إن اسم المقهى يعود إلى زمن الاحتلال الفرنسي عندما كان الثوار يلجؤون إلى المقهى للاختباء من ملاحقة الفرنسيين». استمر الوفاء مع أهل البلد منذ ذلك الزمن، حتى يومنا هذا، ولكن بصيغة مختلفة لا تقلّ عن سابقتها في القيمة والمعنى والطيبة، فالمقهى اليوم يُخلّد ذكرى المتوفى من مرتاديه بالاحتفاظ بـ«نبريش» نرجيلته وتعليقه على جدران المقهى بعد إعطائه رقماً متسلسلاً، وهذا هو «عثمان ومدحت وجواد» قد تحولوا إلى أرقام على جدران المقهى بعد أن كانوا روحاً تتحدث وتضحك.
الراغب بالمزيد ينزل خطوات باتجاه مقهى النوفرة المرصوف بالبازلت والمطل على الجامع الأموي من الجهة الجنوبية. مقهى النوفرة، وهو الأقدم في دمشق، وله من العمر 500 عام، فقد نافورته التي كانت تتدفق قبل 50 سنة من الآن بعد أن توقف نهر يزيد عن الجريان. أما اليوم، فقد افتقد القيامة. لم تعد القيامة تقوم في المقهى إذا ما أنهى الحكواتي كلامه عن عنترة بن شداد وهو في السجن، ولم يعد هناك من رجلٍ يذهب في منتصف الليل ليقرع باب الحكواتي، مطالباً إياه بتحرير البطل وفكّ أسره قبل طلوع النهار، وهذا هو المؤرخ السوري قتيبة الشهابي يقول في كتابه «دمشق تاريخ وصور»: «كان الحكواتي المسكين يضطر إلى متابعة القراءة حتى يطلق سراح عنتر». يضيف: «كم من مرة كانت فيها الملاسنة تحتدم بين المتحزبين للزير سالم وآخرين لجساس، الأمر الذي ينتهي عادة ببضع صفعات ولكمات يذهب ضحيتها عدد من الكؤوس والكراسي». ما زال الغساسنة والمناذرة حاضرين بكثافة بين السوريين، وما زال هناك ضحايا وما زالت عبارة «تفضلي يا ست» تحاول بيدها الممدودة وإيقاعها الحاضر في أسواق دمشق أن تخفف من ضجيج العبارات التي واظبت على اغتيال المصالحة حتى وقت قريب من الآن... وما زال تجار دمشق يهمسون لمدينتهم «ما أنا بالمصدق فيكِ قولاً ولكنّي شُقيت بحسن ظنّي».
من ساحة الجامع الأموي، مروراً بسوق القباقيب، وصولاً إلى مقهى النوفرة، سؤال وحيد يأكل الرأس: كيف يقع في الحرب من له هذا العقل واللغة؟