مع الذكرى السنوية الرابعة للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، «الجرف الصامد»، تحضر من جديد مقارنة الواقع المتشكل في فلسطين والمنطقة بما كانت تسعى إليه إسرائيل قبل أربع سنوات، بل قبل عقود. فقد كان يفترض وفق الرهانات والمخطط الأميركي - الإسرائيلي حينذاك، أن يكون اجتياح 1982 هو الضربة القاضية للمقاومة الفلسطينية، التي تمهّد لإخضاع الشعب الفلسطيني بعدما يصبح مهيَّأً بفعل هزيمة خيارات تلك المرحلة على أرض لبنان، للتسليم بأي صيغة تُملى عليه، ولو بما دون الحد الأدنى. وكان يفترض أن تكون الثمرة السياسية للهزيمة العسكرية في تلك المرحلة، وفق مشروع اليمين الإسرائيلي، فرض تسوية القضية الفلسطينية، على أساس أن الأردن هو الوطن البديل للفلسطينيين.

استند ذلك الرهان الإسرائيلي - الأميركي إلى أن انسداد آفاق المقاومة أمام الشعب الفلسطيني وقياداته سيُقيِّد خياراته، ويدفعه إلى التسليم بالوقائع. ومع أن هذا الرهان حقق نتائج ما، في أوسلو، فإن الشعب الفلسطيني ومقاومته فاجآ إسرائيل وكل المتربصين بالقضية الفلسطينية، عبر انتقال ساحة النضال والمقاومة إلى قلب فلسطين المحتلة.
في المقابل، ومع الانتصارات المتتالية التي حققتها المقاومة في لبنان، تعزَّزت الثقة في فلسطين والمنطقة بخيار المقاومة، بعدما ثبت بالتجربة أنها خيار بديل ومجدٍ في مقابل خيارات الخضوع والاستسلام المغلَّفة بالواقعية، التي يريد الآخرون حشر شعوب المنطقة عموماً، والشعب الفلسطيني خصوصاً، بينها.
تلقّى خيار المقاومة المزيد من الدفع، في أعقاب الانتفاضة الأولى والثانية، خاصة بعدما أظهرت المقاومة في الداخل الفلسطيني التصميم والكفاءة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، وهو ما كشف عن حقيقة أن ما يحتاج إليه الشعب الفلسطيني عمق استراتيجي يوفر له خطاً مفتوحاً من الإمداد بمقومات المقاومة، وهو الكفيل بمهمة الدفاع والتحرير.
في هذا المجال، ينبغي التمييز بين تصوّرين: بين أن تنجح إسرائيل بفعل تفوقها العسكري في إحباط المقاومة وإخضاعها، وأن يكون القيد الذي يحول دون تحقيق المقاومة إنجازاتها التي يطمح إليها الشعب الفلسطيني تنبع من داخل الصف الفلسطيني، ومن المحيط العربي. ولكل من هذين التصوّرين ما يترتب عنه من تقديرات وخيارات تتصل بالموقف من المقاومة والتسوية وتطورات البيئة الإقليمية.
في هذا المسار، كان من الطبيعي أن تتواصل المساعي والمحاولات لتيئيس الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج من جدوى المقاومة، ومحاولات إخضاعه، وتحديداً في الداخل بعدما بات ساحة المواجهة المباشرة الأساسية. ولهذه الغاية، تعددت الوسائل الإعلامية والسياسية والأمنية، العربية والإسرائيلية والدولية، ومنها الحروب المتتالية ضد المقاومة. ويأتي عدوان «الجرف الصامد» قبل أربع سنوات ضد قطاع غزة تتويجاً لسلسلة عمليات عسكرية سابقة، شكَّلت كل منها شاهداً على فشل التي سبقتها في تحقيق أهدافها.
بالمقارنة مع ظروف القطاع ومحيطه، يصبح لصمود المقاومة ونجاحها في تكبيد العدو خسائر بشرية مؤلمة، والتمكن من مواصلة إطلاق الصواريخ إلى آخر يوم... رسائله التي تعزز الثقة بقدرة المقاومة على تحقيق إنجازات نوعية على طريق التحرير. وأياً كانت التفسيرات والمبررات التي يلجأ إليها قادة العدو وغيرهم، في تفسير أسباب امتناع العدو عن إعادة اجتياح قطاع غزة، لاجتثاث المقاومة، فهي تعود في جذورها - وإن عبر قنوات ومسارات متعددة - إلى القلق من مفاعيل صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بالمقاومة، ومن فعل المقاومة العسكرية القادرة على تحويل هذا الاحتلال إلى مستنقع لاستنزاف العدو على المستويات كافة.
هذا الواقع، الذي حضر في وعي صناع القرار وحساباته، دفعهم قهراً إلى التراجع من طموح الحسم العسكري مع المقاومة في غزة إلى سقف الاضطرار والتكيف معها. ولنتذكر أن هذا الاضطرار إلى التكيف القهري، أياً كانت محاولات تفسيره وتبريره، هو بين إسرائيل التي تشكل بمعايير القوة العسكرية دولة عظمى إقليمية، وبين مقاومة شعبية فلسطينية موجودة في القطاع الذي تبلغ مساحته نحو 375 كلم مربع، ويحتوي على نحو مليوني شخص محاصرين وممنوعين من أبسط مقومات الحياة.
هكذا، وفق اختبار النتائج التي ينبغي قياسها إلى ظروف القطاع الجغرافية والسكانية والإقليمية، وإمكاناته، يصبح صمود القطاع بشعبه ومقاومته، ورفض المساومة على كل فلسطين، بعد أربع سنوات من «الجرف الصامد»، وما تلاه من اعتداءات «اقتصادية» وسياسية، انتصاراً مدوياً في معركة الإرادة. ويصبح إصرار الشعب الفلسطيني على مواصلة النضال الذي يبتدع تكتيكاته ووسائله التي تذهل العدو وتربكه، تعبيراً عن التصميم والاحتضان الشعبي الذي يلتف حول المقاومة. كذلك، يصبح الردع غير المتكافئ إنجازاً فلسطينياً... وكثمرة لما تقدم، يصبح كل ذلك مزيداً من التحصين للقضية الفلسطينية، ومحطات في سياق تعزيز خيار المقاومة تأسيساً لتصاعدها واتساع نطاقها، في مواجهة الهجوم الدولي والسعودي والإسرائيلي، الذي يحمل هذه المرة عنوان «صفقة القرن» التي تستهدف تصفية قضية فلسطين، وشرعنة الاحتلال الصهيوني، وكجزء من خطة متكاملة لمواجهة العمق الاستراتيجي لفلسطين ومقاومتها، الذي يمتد من طهران مروراً ببغداد (فصائل المقاومة) ودمشق وصولاً إلى الجنوب اللبناني.