القاهرة | « يا إخوانا هناك رئيس لجنة يقول بأنه «إخواني»، بذور الإرهاب لا تزال موجودة في لجان القضاة ويمشّوا الناس بحجة الصلاة وبحجة الأكل»، يقول الصوت القادم من إذاعة «القاهرة» مرتفعاً عبر مذيع الفترة المفتوحة المتخصصة في تشجيع الناس للذهاب إلى مراكز الاستفتاء على الدستور. ويؤكد المذيع ضرورة مواصلة الحرب على الإرهاب «ومصر بإذن الله منصورة».


الصحافي والنائب السابق مصطفى بكري ما زال على مواقفه التي يكررها في كل مرحلة ومع كل نظام من زمن الرئيس المخلوع حسني مبارك، «اليوم هو يوم مبهج للأمة المصرية». على الأرض تبدو منطقة وسط البلد هادئة، لا وجود «إخواني» فيها ولا حتى مسيرة احتجاجية صغيرة لهم. يبدو أن عملية تجفيفهم قد جرت بشكل كبير. الجيش ضابط المنطقة بإحكام ومسيطر تماماً على كل المداخل المؤدية إلى ميدان «التحرير». منذ ليلة الخميس وأفراد الجيش يسيطرون على الدائرة الكبيرة التي تتوسط الميدان وتمنع الاقتراب منها حتى للعناصر القليلة التي تهتف مؤيدة لوزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي وترفع صوره الكبيرة المكتوب عليها « أمل مصر» باللغة العربية والإنجليزية. حالة الشك تسيطر على عناصر الحماية التي يحكمها الخوف من عناصر مندسة بين المجموعة. «لازم نأمّن المنطقة ومانتركش أيّ احتمال لتسرب ما»، يقول ضابط شاب. لكن يبدو المشهد اليوم مختلفاً، حيث لا صوت إلا صوت من يقول: «نعم للسيسي والتفويض للترشّح للرئاسة». تبدو مسألة الاستفتاء على الدستور هنا مسألة هامشية أمام الشعارات التي تُرفع وسط الميدان والملصقات التي توزع للناس بـ«2 جنيه» وتؤيد ترشيح الفريق السيسي للرئاسة.
الذهاب إلى صناديق الاستفتاء هو بمثابة اختبار للمرحلة القادمة، وقول نعم لترشيح وزير الدفاع لرئاسة الجمهورية. تكاد نسخ الدستور الملقاة في كل مكان وعند الباعة الجوالين لا تقارن بكمية صور الفريق السيسي المروّجة والداعمة لفكرة أن يكون رئيساً لمصر. «إحنا تعبنا وعايزين استقرار خلاص، مش كل يوم ثورة وبهدلة وإخوان، إحنا حالنا وقف». يقول شاب عشريني يعمل في محل أكلات شعبية، ويستطرد: «سأقول نعم للدستور ونعم للفريق السيسي»، ويضيف: «مصر لا تستحق كل هذا الاضطراب الذي تعيشه وحالة عدم الاستقرار... مصر لازم توقف على رجلها من تاني».
مواقف التأييد لترشيح السيسي تكاد تكون السمة الغالبة لأحاديث المصريين في الشارع. في «مقهى الحرية» الشهير يمكن أن تجد مثقفاً يسارياً كبيراً ذاهباً إلى الحدود القصوى مدافعاً عن الفريق السيسي ومفنداً أية انتقادات لدفعه إلى الترشح للرئاسة. يقول مفردات الاستقرار وإن البلد لم يعد يحتمل وإن الإخوان قاموا بتخريب مساحة كبيرة بينهم وبين ثقة الناس بهم «ولهذا لا يمكن أن يعودوا مرة أخرى».
لكنه مع ذلك هو لا يذكر ولا يسمح لك بالحديث عن كمية الاعتقالات التي حصلت في صفوف العديد من الشباب الذين قاموا بثورة «25 يناير» و«30 يونيو» بأسباب واهية تحت حجج التظاهر والتنديد بقانون منع التظاهر من دون ترخيص مسبق. لكن مع ذلك تبدو حالات يسارية قليلة أعلنت رفضها لما يحدث من عسكرة للمجتمع المدني المصري. الناشر اليساري محمد هاشم واحد منهم. لا يزال في مقر «دار ميريت» التي يملكها والتي عرفت بأنها مقر العمليات إبان ثورة «25 يناير» ويرفع على بابها شعار رفضه للعسكر «لا عسكرية ولا دينية، مصر حرّة مدنية».
من هنا يبدو واضحاً أن هناك حالة من فعل تجفيف لأيّ منابع يمكن أن تقوم بأي إرهاب وثورة أخرى محتملة، حيث تبقى عيون العسكر مفتوحة على اتساعها مراقبة ومنتبهة. فيما تواصل مسجّلة الكاسيت الموجودة في عربة تاكسي متوقفة منذ ليلة البارحة عند مدخل ميدان التحرير الشمالي غناء العمل الجماعي الشهير المادح في العسكر: تسلم الأيادي.