يقسم نهر الفرات محافظة الرقة إلى شطرين. الضفة اليمنى (الشاميّة) تقع تحت سيطرة الجيش السوري ومقاتلي «العشائر» باستثناء مدينة الطبقة وبلدة المنصورة وبعض القرى الممتدة بين الطبقة غرباً والعكيرشي شرقاً. أما الضفة اليسرى (الجزيرة) التي تضم المدينة المُدمرة وأريافها الغربية والشرقية والشمالية، فتقع تحت سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية». فرضت حواجز الأخيرة «رسوماً جمركية» على أبناء المحافظة، وبات المدنيون يدفعون «جمركاً» على كل ما يدخل أو يخرج من الرقة، وإلا فإنه يُصادر ويُغرّم أصحابه. وتجبي تلك الحواجز هذه الضرائب وفق إيصالات رسمية موقّعة ومختومة، وتتراوح قيمتها بين 1000 و5000 ليرة سورية، حسب البضاعة وكميتها. ويدفع الأهالي الراغبون في التنقل بين شطري الرقة رسوماً عن مواشيهم ومحاصيلهم الزراعية ومنتجاتهم الحيوانية، وكذلك سياراتهم وبضائعهم التجارية. تبرر «قسد» فرض هذه الرسوم بـ«الخشية من انتقال المواد الغذائية والمحاصيل والخضروات والمواشي إلى خارج الرقة، ما قد يتسبّب في ارتفاع أسعار مبيعها».


«حواجز رديفة»
تذمر المدنيون الذين يعيشون في مناطق «قسد» من تلك الرسوم التي يدفعونها، إلا أنهم شعروا بأنهم «في نعمة كبيرة» حين مرّوا عبر الحواجز التابعة للحكومة السورية. فما إن تنتهي معاناتهم بخروجهم من مناطق «قسد»، حتى تبدأ معاناتهم مع حواجز تعاقد أفرادها مع الحكومة كمتطوعين، ليدفعوا مجدداً عن حمولاتهم. النعجة الواحدة ما بين 5 و10 آلاف ليرة، حسب مزاج العنصر، والبقرة 50 ألف ليرة، و«سطل» اللبن 500 ليرة، وطنّ القمح 25 ألف ليرة، والحصادة الآلية نحو مليون ونصف مليون ليرة. ولا يقتصر الدفع على حاجز واحد، إذ يضطر المدنيون إلى الدفع عند أغلب الحواجز التي يمرون عبرها، لذلك لجأ أغلبهم إلى تهريب المواشي والمواد الغذائية بين شطري المحافظة بالتعاون مع عناصر الحواجز أنفسهم.

لا أمل بعودة قريبة لدوائر الدولة الرسمية إلى ريف الرقة المحرر


قصد أبناء الرقة المهجرون في المحافظات السورية مدينتهم للمرة الأولى منذ سنوات، وغايتهم قضاء العيد بين أهاليهم والاطمئنان على ما بقي من بيوتهم التي غادروها بعد خروج الرقة عن سيطرة الحكومة في عام 2013، إلا أن أصحاب السيارات الخاصة منهم لم يُسمح لهم بتجاوز الحدود الإدارية للمحافظة، إذ أوقفتهم حواجز الجيش السوري قرب منطقة الرصافة، وطلبت منهم مبالغ خيالية، وصلت إلى 450 ألف ليرة (نحو ألف دولار أميركي)، ليفاجأ الأهالي بهذا الرقم ويعودوا أدراجهم إلى المحافظات التي جاؤوا منها.
المحامي نذير الحسن كان أحد قاصدي الرقة قبل أيام، إلا أنه لم يتمكن من الوصول إلى المدينة، وعاد مع عائلته إلى اللاذقية، بعد أن طلب منه عناصر الحاجز العسكري مبلغاً كبيراً ليس بوسعه أن يدفعه. وقال في حديث إلى «الأخبار»: «طلبوا مني عند الحاجز 450 ألفاً، قالوا لي هذا رسم دخول إلى المحافظة، إما أن تدفعه أو ترجع من حيث أتيت، وقد رجعت مع عشرات السيارات التي كان أصحابها يأملون قضاء أول عيد لهم منذ سنوات في مدينتهم، وزيارة قبور موتاهم». وأضاف الحسن: «تقدمت بشكوى إلى مجلس الشعب، وأبلغت مسؤولي محافظة الرقة بما جرى معي، وفوجئت بأنهم يعرفون بذلك، وليس في وسعهم فعل شيء».

تحت قبة البرلمان
طرح عضو مجلس الشعب عن محافظة الرقة المحامي إسماعيل الحجو هذه الشكوى تحت قبة مجلس الشعب السوري، موجهاً سؤاله إلى وزير المالية حول فرض رسوم دخول إلى محافظة الرقة. وقد أكد الوزير مأمون حمدان، في ردّه أمام الأعضاء: «لم نفرض في وزارة المالية أيّ رسوم أو ضرائب من هذا النوع، وأي مبلغ تتم جبايته لا يدخل خزينة الدولة». ينبغي على أصحاب السيارات الخاصة أن يتركوا سياراتهم في المحافظات التي يعيشون فيها، ويسافروا باستخدام وسائل النقل العامة لتخفيف الرسوم التي تفرضها الحواجز، رغم أن تلك السيارات ليست مخالفة أو مدينة بمبالغ مالية للحكومة السورية، ولا يوجد أي مبرر لفرض مثل هذه الرسوم عليها. يقول المدرس علي العلي: «إن السفر من دمشق أو اللاذقية إلى الرقة صار يحتاج إلى فيزا، بل إن كلفة السفر من سوريا إلى دولة أخرى أقل كلفة من السفر إلى الرقة، ولا يوجد أي سبب وجيه لفرض مثل هذه الرسوم».

ترسيم السيارات
مئات السيارات الخاصة لم تغادر محافظة الرقة منذ سنوات، وقد صارت بحاجة إلى تجديد أوراقها، ولكن ذلك غير ممكن في ظل «رسوم جمركية» كبيرة على السيارات التي يريد أصحابها تجديد أوراقها تتراوح بين 300 ألف ونصف مليون ليرة سورية. ولا يمكن لمالك السيارة الذي اشترى سيارته أن يقود السيارة إلى حماة كي يجدد ترسيمها وينقلها إلى اسمه بموجب وكالة رسمية، بل يجب عليه إحضار المالك الأساسي إلى الرقة، كي يقودها بنفسه ويوصلها إلى حماة، وهناك يصبح بإمكان المشتري أن يجدد أوراقها. وتعمل مديرية نقل الرقة في مدينة حماة، ما يزيد معاناة مالكي السيارات الذين يريدون تجديد تسجيل سياراتهم كي يتنقلوا بحرية، وينتظر المدنيون عودة مديرية النقل إلى الرقة أو الريف الذي تسيطر عليه الحكومة السورية من أجل إتمام معاملاتهم، لكن هذا غير ممكن حالياً، حسب مصادر في مديرية النقل، أكدت لـ«لأخبار» أن «العمل يحتاج في الرقة إلى شبكة اتصالات، ولا يمكن أن تتم الإجراءات والانتقال إلى الرقة قبل توافر شبكة الاتصالات. وهناك لجنة تذهب إلى الرقة بشكل دوري وتفحص السيارات، لكن الإجراءات الإدارية حصراً تكون في حماة».

تخبّط واضح
يشعر المدنيون في الرقة بخيبة أمل بعد عام من «التحرير». رفرفت الأعلام السورية فوق الأبنية المهدمة (الجانب الأيمن)، وجالت عدسات كاميرات الإعلام الرسمي في أرجاء الريف «المحرر»، وزار بعض الوزراء بلدات وقرى ريف الرقة، إلا أن ذلك لم يغير في الواقع شيئاً. عندما سيطرت فصائل المعارضة على الرقة (2013)، لم يكن لديها خطة عمل من أجل إدارة شؤون المحافظة، ما سهّل الأمر لتنظيم «داعش». وفي عام 2017، عاد شطر من الرقة إلى سيطرة الحكومة، ويتضح أن «خطط» الحكومة الغائبة الآن، لا تختلف عن خطط المعارضة في 2013. عام مضى ولا شيء يذكر، لا مياه لري المحاصيل الزراعية، ولا أفران تكفي ولا محطات محروقات ولا مراكز صحية ولا آلية فاعلة لتسويق محصول القمح، وكل ذلك يحصل عليه الأهالي من المناطق الواقعة تحت سيطرة «قسد». وما زالت الدوائر والمؤسسات الحكومية الخدمية في محافظة حماة يقتصر عملها على توزيع الرواتب كل ثلاثة أو أربعة أشهر للموظفين الذين يأتون من الرقة إلى حماة لتسلّم رواتبهم ثم يعودون إلى الرقة. ولا همّ لمسؤولي المحافظة سوى تقاسم المناصب ودسائس السوء وزيادة الأرصدة المالية.