الجزائر | «يقبع بلدي منذ 13 عاماً تحت حكم التمييز العنصري الذي تقوده أقلية بيضاء. وإننا انتهجنا الكفاح السلمي في ظل المؤتمر الوطني الأفريقي. لكننا قررنا اللجوء إلى الكفاح المسلح بعدما صارت الحكومة العنصرية تتعامل بالسلاح مع التظاهرات السلمية للسود وسنت قوانين متشددة حظرت نشاط كل القوى المناوئة لنظام التمييز العنصري... وإنني ورفاقي هنا لنتعلم منكم كيف نقاوم بالسلاح عدواً باغياً». هذا مقطع من عرض حال قدمه الزعيم الأفريقي نلسن مانديلا، مطلع عام 1961 أمام كوكبة من ضباط جيش التحرير الوطني (الحزائري) في وجدة المغربية، القاعدة الخلفية الأهم لثورة الجزائر. وقد ردّ عليه المناضل الجزائري الكبير شوقي مصطفاي، مندوب الحكومة الموقتة للجمهورية الجزائرية لدى المغرب (توفي في 28 أيار/مايو 2016 عن 97 سنة): «نحن سلكنا المسلك نفسه، كافحنا سياسياً حتى تبيّن لنا جلياً أن هذا الكفاح وحده غير كاف للانعتاق، فتوجب علينا مرافقته برافد أقوى هو الكفاح المسلح وقررنا تفجير الثورة ولن نتوقف حتى النصر... نحن نحارب بالسلاح لتعزيز فرص السياسة والسلام... وهو النهج الذي نراه مناسباً ومجدياً».

وصل الزعيم الأفريقي ذو الثلاثة وأربعين عاماً متنكراً وعبر محطات أمّنتها له شبكة علاقات استخبارات الثورة الجزائرية. وخلال إقامته السرية جداً اطلع ورفاقه على طرق تنظيم العمل الثوري المسلح والتقى بقيادات عسكرية ومدنية جزائرية، ناقش معهم تفاصيل ما يساعد على تجسيد قرار اتخذه المؤتمر الوطني الأفريقي عام 1960 يقضي بالانتقال إلى العمل المسلح ضد نظام الأبرتايد، مستنداً إلى تجربة الجزائريين في الحرب التحريرية طويلة الأمد. ووفرت القيادة الثورية لغرب الجزائر كل شروط تكوين المجموعة على السلاح وعلى رسم خطط حرب العصابات والهجمات المباغتة وسمحت بمشاركة عناصرها في عمليات مسلحة نفذها جيش التحرير الجزائري ضد وحدات من الجيش الفرنسي. وظلت المجموعة في تلك المنطقة مدة درست خلالها طرق الكفاح بتوظيف الذكاء والحيلة لمواجهة قوة تملك كل وسائل البطش كما هي الحال في الجيشين الفرنسي بالجزائر والعنصري بجنوب أفريقيا.

كان مانديلا يقول: الثورة الجزائرية هي من جعلت مني رجلاً


وبعد استقلال الجزائر زارها مانديلا مع وفد كبير من شباب حزبه واستقبله الرئيس أحمد بن بلة ووفر له كل الرعاية. وتكفل الرئيس الراحل هواري بومدين، وزير الدفاع وقتها، بمتابعة عمليات تدريب مانديلا ورفاقه. فأشرف عليهم ضباط لامعون بينهم النقيب محمد العماري، الذي صار قائداً عاماً لأركان الجيش الجزائري بين 1994 و 2004 برتبة فريق. ومن موقع القوة الذي وفره استقلالها وزخم ثورتها وتأثيرها على الرأي العام، قادت الجزائر عملية واسعة لدعم كفاح المؤتمر الوطني الأفريقي ضد سياسة التمييز العنصري والتفتْ عشرات من دول أفريقيا والعالم حول قضية تحرر شعب جنوب أفريقيا. وحتى بعد اعتقال نلسن مانديلا ظلت الجزائر، أو «قبلة الثوار» كما سماها المناضل الأفريقي الآخر أملكار كابرال، على مدى 27 عاماً (بين 1963 و1990)، أكبر مركز لتدريب وتكوين الإطارات السياسية والعسكرية للمؤتمر الوطني الأفريقي. وتوافد على مراكز التدريب الجزائرية عشرات الأفواج من المقاتلين. وتكون هذه العلاقة التي نسجت في ظروف ثورية استثنائية، السبب الذي جعل مانديلا يخص الجزائر بأول زيارة له للخارج في 16 أيار/مايو 1990 بعد ثلاثة أشهر فقط من الإفراج عنه. فقد استُقبل وزوجته بحفاوة نادرة رسمياً وشعبياً، وزاد حضورهما تلك الأيام الزاهية التي مرت بها البلاد عقب انتقالها إلى نظام التعددية السياسية وإطلاق الحريات الفردية والجماعية المدنية والسياسية، بهاء وثراء. استقبل الضيف الكبير من الرئيس الشاذلي بن جديد، وكبار المسؤولين في الدولة، لكن أيضاً من قوى اجتماعية من مختلف الأطياف بدأت تخطو خطواتها الأولى في العمل السياسي العلني المنظم. وألقى خطاباً تاريخياً أمام آلاف من الجزائريين اكتظت بهم «القاعة البيضاوية»، أكبر القاعات الرياضية في مدينة الجزائر. وقال قولته الشهيرة: «الثورة الجزائرية هي من جعلت مني رجلاً»، لكنه لم يفوّت الفرصة ليتساءل بمرارة: «لماذا خسرت الجزائر الكثير من أصدقائها؟». فعلا فقد دخل مانديلا السجن وكانت الجزائر على كل لسان وكانت دليلاً لعديد الدول التي كانت تناضل من أجل الاستقلال في أفريقيا وآسيا، وخرج منه بعد 27 عاماً فوجد كل تلك الدول تحررت ودور الجزائر قد تراجع في شكل رهيب قارياً ودولياً.
وخصّ مانديلا الجزائر بجزء مهم من مذكراته التي تحمل عنوان «رحلتي الطويلة من أجل الحرية». وكتب في شأن لقائه بالثوار وأسباب استلهام حركته المسلحة تجربتها من نضالهم وعن تشابه بيئة النضال في البلدين: «الثورة الجزائرية هي النموذج الأقرب لثورتنا كون المجاهدين الجزائريين واجهوا جالية مهمة من المستعمرين البيض الذين كانوا يحكمون غالبية الأهالي»، وعن تبرير اختيار هذا النموذج، كتب: «كنت أعلم أن قواتنا تشبه أكثر جنود الجزائر، وكنت آمل أن يحاربوا بمثل هذه البسالة». وفي وصفه لما رأى وعاش مع الجزائريين، دوّن مانديلا في كتابه: «كانوا جيشاً مغواراً يضم محاربين كسبوا رتبهم في خضم الحروب وكانوا مولعين بالحرب والاستراتيجية القتالية أكثر منه بالزي العسكري والاستعراضات العسكرية». وأشار إلى انه جلس مطولاً مع الدكتور شوقي مصطفاي ممثل الحكومة الموقتة للجمهورية الجزائرية في المغرب، ونبهه إلى أن الحرب تحتاج أيضاً إلى التكوين السياسي في صفوف المقاتلين واعتبر ذلك جزءاً مهماً من العمل القتالي الميداني. كما أرشده إلى أهمية العمل الديبلوماسي وقال له بالحرف، وفق ما نقل مانديلا في كتابه، «إن أهمية وقوة الرأي العام الدولي تفوق أحياناً قوة أسطول من الطائرات الحربية».
رحلة مانديلا مع الجزائر بدأت من معاقل الثورة وتحولت عناقاً دائماً بين بلدين صارا يشكلان اليوم أهم محور في الاتحاد الأفريقي... جنوب أفريقيا هي الجزائر والجزائر هي جنوب أفريقيا. لتتحول إلى احتفال كبير في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2017 حين عرض للمرة الأولى فيلم «مسدس مانديلا» بقاعة العروض الكبرى في دار الأوبرا بالعاصمة الجزائر في اختتام فعاليات الأسبوع الثقافي الجنوب أفريقي بالجزائر. ويروي العمل الذي أُنتِج بشراكة جزائرية بريطانية جنوب أفريقية، أبرز المحطات التي عرفتها مسيرة الزعيم الراحل، وفي قالب توثيقي اعتمد فيه المخرج البريطاني جون إيرفن، والسيناريست أوتس كيرياكيد، على شهادات شخصيات عرفت الراحل مانديلا عن قرب.