أثارت قمة هلسنكي بين الرئيسين الأميركي والروسي، دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، زوابع سياسية وإعلامية لا مثيل لها في أيّ قمة على هذا المستوى. الزوابع بعواصفها هبّت من كل اتجاه داخل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على مستوى أداء ترامب، الذي وُصف بـ«المشين». والزوابع، رغم غبارها، تكاد تبيّن وتكشف تحولات جوهرية في بنية النظام الدولي تؤثر ـــ بالضرورة ـــ على الإقليم ومستقبله.

في قمة هلسنكي تناقضت طباع رجلين ومدى كفاءتهما؛ الأول، ترامب لا يكاد يدرك الفارق بين إدارة مصالح دولة عظمى وأعمال المقاولات وتستبد به حماقاته. بدا متهافتاً على طلب شهادة من الكرملين بأنه لم يتدخل في الانتخابات الأميركية، التي جاءت به رئيساً. وبدا مندفعاً إلى التشكيك في رواية الأجهزة الاستخبارية والأمنية وجهات التحقيق الأميركية، التي وصفها بـ«السخيفة».
هاجم «الحماقات الأميركية» التي منعت الحوار مع روسيا من دون أيّ فكرة تقريباً عن حجم التناقضات وطبيعة الصراعات الدولية في فترة الحرب الباردة وما بعدها. كما نال عكس أيّ تقاليد مستقرة، من «الميديا» الأميركية ومن الحزب الديموقراطي المنافس في مؤتمر صحافي عالمي خارج بلاده.
والثاني، بوتين ثعلب سياسي استخدم ما لديه من أوراق بدرجة كفاءة عالية، استدعت المقارنة والرثاء في الدوائر الأميركية قبل غيرها. حدد أهدافه من دون مبالغة في ما يمكن أن تسفر عنه القمة، وفرض أولوياته على المؤتمر الصحافي المشترك. حسّن صورته في مجال الإغاثة الإنسانية، وقدّم نفسه كرئيس لدولة ديموقراطية تحترم القواعد القانونية وتطلب المعاملة بالمثل.
تأخر متعمّداً لنحو ساعة عن موعد القمة، وكانت تلك مسألة سيكولوجية أراد منها التحكم في رئيس متفلّت ومتناقض في تصرفاته وتصريحاته ــــ كأن يهاجم رئيس دولة حليفة ثم يصف ما نسب إليه بالأخبار الكاذبة قبل أن يعود لتكرار نفس الهجوم.
تحت صدمة الصورة الهزيلة التي بدا عليها ترامب، بدأت التداعيات تأخذ مداها، كاشفة عن حقائق جديدة قيد التشكل؛
من التداعيات قدر التخبط، والاضطراب في التوازنات الداخلية الأميركية، وحجم الصدمة في المؤسسات التشريعية والأمنية على السواء.
لأول مرة منذ انتخاب ترامب رئيساً، يكاد ينعقد إجماع بين أقطاب الحزبين الكبيرين الجمهوري والديموقراطي على سوء أدائه الفادح في المؤتمر الصحافي المشترك، وأنه قد ألحق إهانة بالغة بصورة رئيس الولايات المتحدة، وألصقت به نعوت وصلت إلى «الخيانة العظمى» من قبل رئيس سابق للاستخبارات الأميركية.
إلى أي حد تحتمل المؤسسات الأميركية ذلك الاضطراب في بنية الدولة؟ وما النتائج المحتملة للانتخابات التشريعية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل؟
الأقرب إلى التوقع أنه سوف تلحق هزيمة انتخابية بالحزب الجمهوري تؤذن بنهاية حكم ترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة، أو التخلص منه بالعزل قبل حلول هذه الانتخابات.
لا يصح إطلاق الأحكام النهائية بالنظر إلى أنّ هناك قاعدة جماهيرية تؤيد خطابه الشعبوي وترى فيه دفاعاً عن المصالح الأميركية يخفف من حدة معاناتها.
تضم تلك القاعدة جماعات وتوجهات عنصرية بيضاء متجذرة في المجتمع الأميركي ولوبيات قوية مثل «اللوبي اليهودي» و«لوبي السلاح».
إذا ما كسب ترامب رهانه على جمهوره، فإنّ أميركا قد تخسر نفسها قبل أن تخسر العالم. ومن التداعيات حجم السيولة بالتغيّر والتحول في المعادلات الدولية.
لم يعد ممكناً الحديث عن «تحالف غربي» تقوده الولايات المتحدة. ولا هو ممكن الرهان على بقاء حلف «الناتو» إلى أمد طويل نسبياً. يكاد يتقوّض ما تبقى من إرث الحرب العالمية الثانية. كما سقط الاتحاد السوفياتي السابق وتفكّكت منظومته الدفاعية «حلف وارسو»، فإنّ تراجعاً مماثلاً مرشح أن يحدث على الجبهة الأخرى بصورة مختلفة.
ومن التداعيات التي قد تحكم تحولات اللعبة الدولية، تدهور العلاقات الأميركية الأوروبية، كما لم يحدث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
قبل قمة هلسنكي، وصف ترامب الاتحاد الأوروبي بأنه خصم للولايات المتحدة، كالصين وروسيا. رفض مناشدته منح إعفاءات لشركاته من العقوبات المفروضة على إيران. كان ذلك موضوع تصادم في إدارة ملف حساس بين الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي.
دخل في سلسلة متصلة من التحرشات السياسية مع القادة الأوروبيين، من دون مراعاة لأصول الخطاب، خاصة مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: «التي تدفع مليارات الدولارات لروسيا لتأمين احتياجاتها من الغاز والطاقة فيما الولايات المتحدة تدافع عنها».
نفس المنطق استخدمه أمام الكاميرات مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان: «الدفع مقابل الحماية»، غير أن ألمانيا ليست السعودية ولا الاتحاد الأوروبي هو العالم العربي.
هذه حسبة مقاول لا قوة عظمى اكتسبت نفوذها الاستراتيجي والاقتصادي من تزعمها للقارة العجوز وقيادتها لـ«الناتو»، وعملياته العسكرية تقتصر على ما تقرره واشنطن. لم تكن مصادفة أن أغلبها جرى في العالم العربي ــــ الحائط المائل في النظام الدولي.
بالتعريف الواقعي، فإنّ «الناتو» منظمة دفاعية أميركية. القضية ليست نسب ما يدفعه الشركاء الأوروبيون في تمويل نشاطه العسكري حيث يمكن تسويتها بالوسائل السياسية في غرف مغلقة، بقدر حجم «التجريس» الذي اتبعه الرئيس الأميركي وشكك في حقيقة التزامه بـ«الناتو».
أحد السيناريوات المطروحة في المدى المنظور أن تلجأ أوروبا إلى بناء منظومة دفاعية خاصة بها على ما دعا وزير الخارجية الألماني من أنه لا ينبغي للقارة الاعتماد على الولايات المتحدة.
كذلك فإن أحد السيناريوات الملحّة المضي قدماً في بناء شراكات تجارية واقتصادية مع الصين واليابان وكوريا الجنوبية وكندا ودول أخرى في العالم باسم احترام التبادل التجاري الحر ورفض الإفراط الأميركي في فرض الرسوم الجمركية على بضائعها.
بصورة أو أخرى، فإن أغلبية العالم سوف تفضّل اللعب مع أوروبا بحثاً عن توازن مع الولايات المتحدة.
وبصورة أو بأخرى، فإن الصين سوف تكون المستفيد الأكبر في إدارة ملفها الاقتصادي.
من التداعيات، بقوة الصورة، ارتفاع الأسهم الدولية لروسيا باعتبارها قطباً يصعب تجاهله، أو فرض العقوبات عليه.
بأثر ردود الفعل على الصورة المزرية التي بدا عليها «سيّد البيت الأبيض» في هلسنكي، من المستبعد رفع أيّ عقوبات أميركية على روسيا في أي مدى منظور.
كان لافتاً حرص ترامب، من دون مناسبة، على تأكيد التزامه بأمن إسرائيل، ومحاولة الإيحاء بأن بوتين يشاركه الالتزام نفسه، كأنه رئيس لإسرائيل لا للولايات المتحدة.
لم تتكشف ـــ حتى الآن ـــ حقيقة التفاهمات التي جرت بين الرئيسين في جلسة مغلقة امتدت لساعتين لم يحضرها سوى المترجمين الخاصين.
الأغلب أنه ليست هناك تغييرات جوهرية في الملفات التي طرحت أولوياتها على القمة.
قد تحدث حلحلة في ملف أو آخر، لكن المواقف الأساسية تظل على حالها في انتظار مساءلة الرئيس في أميركا.
*كاتب وصحافي مصري