تشهد ليبيا انعكاسات خدميّة للأزمة السياسيّة والتقاتل العسكريّ، من بينها شحّ في السيولة خلّف طوابير من الناس أمام البنوك، وشحّ في المواد الأساسيّة، وانقطاع مستمر للتيار الكهربائيّ. وتبرز تلك الأزمات بخاصّة في العاصمة طرابلس، باعتبارها أكبر مدن البلاد وتأوي نحو نصف عدد سكانها.

نهاية الشهر الماضي، بدأت تحركات احتجاجيّة في العاصمة، استهلها قطاع المخابز بإضراب ضدّ ارتفاع سعر الدقيق وانقطاع الكهرباء، سرعان ما جرى احتواؤه. لكن هذا الأسبوع شهد تطوّراً نوعيّاً، حيث خرجت الاحتجاجات من الأطر المهنيّة إلى الشوارع. ويوم الثلاثاء، أصدر «تجمّع منطقة السراج الكبرى» بياناً ندّد فيه بما اعتبره «ظلماً» مسلطاً على مدينة طرابلس من دون سواها من المدن، لجهة طول ساعات «طرح أحمال» الكهرباء التي تصل إلى حدّ 12 ساعة. وهدّد «التجمّع» بإرسال شباب المنطقة إلى الغرفة المحليّة للتحكّم في الكهرباء وإجبار العاملين بها على إعادة التدفّق، إضافة إلى التلويح بقطع الطرق في المنطقة إن لم تُستجب المطالب.
لم يمض وقت طويل حتى توسعت الاحتجاجات أكثر، وفي خطوة غير مسبوقة، أصدر المجلس البلديّ بحيّ الأندلس في طرابلس، وهو مجلس منتخب، بياناً مصوّراً حول المسألة حمل طابعاً سياسيّاً واضحاً. طالب عميد البلديّة بـ«إقالة لجنة إدارة شركة الكهرباء فوراً، ودعوة الحكومة للاستقالة الجماعيّة، والاستمرار في الاعتصام السلميّ في الميادين والساحات»، كما طالب الرجل بـ«دعوة مسؤول الأمم المتحدة لاتخاذ الإجراءات المناسبة لإتمام تنظيم الانتخابات النيابيّة والرئاسيّة في أقرب الآجال»، وحذّر من أنّ «احتقان الناس قد يولّد الانفجار الذي سيكون بداية الشرارة لانتفاضة لا تبقي ولا تذر».
عقب البيان، شهدت طرابلس يومي الأربعاء والخميس احتجاجات عنيفة، شملت غلق طرقات وإشعال إطارات مطاطيّة في أحياء الأندلس والنوفليين وغوط الشعال. من هناك بدأت الأحداث في اتخاذ منحى سياسيّ لا يمكن فهمه من دون وضعه في إطاره العام الذي يشمل انقسام البلاد بين سلطتين في الشرق والغرب.

في اليومين الماضيين شهدت العاصمة الليبية احتجاجات عنيفة


الباحث الليبيّ بشير الزواوي، يؤكد في حديثه إلى «الأخبار» وجود «احتقان شعبيّ»، مستدركاً بالإشارة إلى «حالة من عدم اليقين في جدول الاحتجاجات». ويرى الزواوي أنّ عميد بلديّة حيّ الأندلس «تجاوز سلطاته وصلاحياته التي تفرض عليه العمل على التهدئة وحاول التأثير من خلال دفع التظاهرات أكثر».
ويعتبر الباحث أنّ نقطة التحوّل الفعليّة كانت بروز «حراك لا للتمديد» مرّة أخرى على مواقع التواصل الاجتماعيّ، وهو حراك «اعتدى على جلسات المؤتمر الوطنيّ العام وساهم في تحجيم دوره خلال فترة وجوده»، وكلّ ذلك يصبّ في مصلحة مشروع خليفة حفتر، إذ في حال «عدم أخذ إجراءات لمعالجة انقطاع الكهرباء، فقد نشهد استغلالاً لهذه الفرصة من قبل حفتر ومؤيديه». وتشير المعطيات الميدانيّة إلى التقاط الأطراف الفاعلة في طرابلس لهذه النقطة، إذ شهد وسط المدينة تعبئة أمنيّة منذ يوم الخميس، في محاولة لمنع تجمهر الناس، الأمر الذي قد يؤدي إلى تحدّي سلطة رئيس حكومة الوفاق فائز السراج، وهزّ صورته هو وتحالفه الذي يشمل كبرى الميليشيات في العاصمة، وحزام سياسيّ داعم.
ولا يمكن استكمال السياق من دون الإشارة إلى الانشقاق الذي شهده «المجلس الرئاسيّ» المُشرف على عمل «حكومة الوفاق الوطنيّ»، خصوصاً إثر استقالة فتحي المجبري أول من أمس، وهو نائب رئيس المجلس. وعقد المجبري، المنحدر من إقليم برقة الشرقيّ، ندوة صحافيّة رفقة عدد من نواب البرلمان المرتكز بدوره في مدينة البيضاء شرق البلاد، تحدثوا خلالها عن فساد مؤسسات الدولة في طرابلس وسيطرة الميليشيات العسكريّة على عمل رئيس حكومة الوفاق فائز السراج. وفي تبريره لاستقالته، استعاد المجبري حادثة الاعتداء على مقر سكناه في العاصمة بعد إصداره بيان مساندة لقرار خليفة حفتر نقل صلاحيّة التصرّف في الموارد النفطيّة من «المؤسسة الوطنيّة للنفط» إلى مؤسسة موازية شرق البلاد، علماً أنّه قرار سقط لاحقاً تحت ضغط دوليّ واسع.
الآن، صار الأمر يبدو كما لو أنّ التجاذب الحاد بين سلطتي شرق وغرب البلاد بصدد سحب البساط من تحت أرجل الناس ومظالمهم. فمن جهة تصوّر وسائل الإعلام الموالية لحفتر وجود بوادر ثورة على حكومة السراج «العميلة»، ومن جهة أخرى، تحشد الميليشيات في طرابلس عتادها وجنودها للتصدّي إلى «محاولة انقلابيّة» من داخل المدينة. وبين هذا وذاك، يبقى العمل الفعليّ على حلّ الأزمات الاجتماعيّة رهين التركيز على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وهو أمر مرتبط بالحلّ السلميّ للمسألة السياسيّة التي تشهد بدورها تجاذباً بين القوى الدوليّة المؤثرة، وصراع هيمنة متصاعد بين الحكومتين الإيطاليّة والفرنسيّة.